قلعة الشقيف.. حصن التاريخ الذي صمد أمام الغزاة وتعرض لسنوات من التدمير والاحتلال

شهدت قلعة الشقيف في جنوب لبنان مشاهد تاريخية متواصلة عبر قرون طويلة، حتى أخلتها القوات الإسرائيلية المنسحبة منذ أيام قليلة بعد سنوات من الاحتلال، كما هذه القلعة الاستراتيجية تعرضت للتدمير المتكرر، حيث صدعت جدرانها وتعرقلت محاولات التنقيب فيها لما يزيد عن ستة عشر عامًا.
تاريخ قلعة الشقيف
تقع القلعة على موقع مرتفع جنوب لبنان، وتتميز بمكان فريد جعلها عصية على الزمن والحروب، فقد تصدت لمختلف أنواع الغزوات والمعارك والزلازل، ورغم التدمير الإسرائيلي الذي لحق بها والعبث بمعالمها المعمارية، بقيت شامخة تعانق شمس الجولان وتطل على البحر المتوسط وسواحل فينيقيا، وتشرف على مرتفعات لبنان وتلال جبل عامل، وصولًا إلى عكا ووادي الأردن.
تشرف القلعة على مواقع استراتيجية مهمة، إذ تكشف قلاع هونين وتبنين ودوبيه وبانياس، بالإضافة إلى قرى محيطة كانت ضمن نفوذها، شيدت على تل مرتفع يصل ارتفاعه إلى نحو 700 متر عن سطح البحر، ويشرف جانبها الشرقي على نهر الليطاني، هذا الموقع جعلها حصنًا عسكريًا طبيعيًا لا يستهان به.
عرفت القلعة تاريخيًا بعدة أسماء، منها حصن أرنون والشقيف الكبير، بينما أطلق عليها الفرنجة اسم بلفورت أو بوفورت بمعنى الحصن الجميل، وتعاقبت عليها أيدي الفاتحين والغزاة من صليبيين ومسلمين وأمراء إقطاعيين، وكان كل طرف يضيف إليها أو يهدم منها بحسب خططه الحربية.
يرجح بعض المؤرخين أن بناء القلعة سبق العهد الصليبي بمدة طويلة وربما كان في العهد الروماني أو البيزنطي، وقد ذكرها وليم أسقف صور في تاريخه قبل عام 1189م بعشر سنوات، كما أشار إليها فكتور جيران الفرنسي باعتبارها حصنًا قديمًا وقع في يد ملك القدس فولك عام 1139.
تظهر آثار الكنائس اللاتينية التي بناها الصليبيون داخل القلعة، إلى جانب أبراج ومبانٍ يعتقد أنها كانت اسطبلات، وتجمع القلعة بين البناء العربي والروماني والصليبي، لتشكل نموذجًا معماريًا متفردًا في قلاع الشرق.
أهم مراحل تاريخها العسكري برزت مع حصار صلاح الدين الأيوبي لها، حيث صمدت القلعة لمدة عام كامل قبل أن تسقط بسبب نفاد المؤن، بعد ذلك دخلت في نزاعات داخلية بين ورثة صلاح الدين، حتى سلمها الملك الصالح إسماعيل إلى الصليبيين عام 1240، ثم استعادها السلطان بيبرس عام 1268 بعد حصار شديد انتهى بتدمير أجزاء واسعة منها.
أصبحت القلعة مركزًا إداريًا وعسكريًا بعد عهد بيبرس، وعرفت باسم المملكة الشقيفية، ومع دخول العثمانيين إلى جبل عامل، وقعت القلعة تحت نفوذهم ثم صارت بيد الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي حصنها، لكنها هدمت لاحقًا باتفاق مع الدولة العثمانية في القرن السابع عشر.
تراجعت أهمية القلعة في القرون اللاحقة، وتحولت إلى مأوى للرعاة ومصدر للحجارة التي استخدمها السكان في بناء بيوتهم، ثم هزها زلزال عام 1837 الذي دمر أعاليها، وبقيت أطلالها شاهدة على تاريخ طويل من الحروب والتحصينات.
زوار القلعة من الرحالة الأوروبيين وصفوها بأنها ذات شكل مثلثي، محاطة بآبار وصهاريج محفورة في الصخر، وبها أبراج عالية وجدران ضخمة يصعب تسلقها، ويعتقد البعض أن نفقًا سريًا كان يصلها بنهر الليطاني لتأمين المياه وقت الحصار.
على مدى ربع قرن تعرضت القلعة لقصف متواصل من الطائرات والمدفعية الإسرائيلية، وتعرضت جدرانها وأبراجها لتدمير ممنهج، حتى جاء الاحتلال المباشر عام 1982 ليزيد من تخريبها، ومع كل ذلك بقيت القلعة رمزًا للصمود والتاريخ، شاهدة على ماضٍ مجيد وعلى حاضر مليء بالتحديات.



