مملكة الخزر.. إمبراطورية التجار التي اعتنق قادتها ديانة غير متوقعة لتجنب صراعات القوى الكبرى

في مساحة واسعة امتدت من جنوب روسيا حتى غرب كازاخستان، ومن شرق أوكرانيا إلى شمال القوقاز، أسست قبائل تركية نصف رحل مملكة الخزر بين القرن السابع والقرن الحادي عشر الميلادي، كما اتخذ الخزر في البداية مدينة بلنجر عاصمة لهم، ثم انتقلوا إلى سمندر، وأخيرًا جعلوا آتيل مركز حكمهم، اشتق اسم خزر من الفعل التركي قاز الذي يعني يتجول، وهو ما يعبر بدقة عن طبيعتهم كأمة رحل.
تاريخ مملكة الخزر
ظهر الخزر من رحم اتحادات القبائل التركية القديمة، وربما ارتبطوا بسلالة أشينا أو ببقايا شعوب الهون، كما سيطروا على أهم طرق التجارة التي ربطت أوروبا بالشرق الأوسط، بما في ذلك طريق الحرير، وهو ما جعلهم قوة مؤثرة اقتصاديًا وسياسيًا، في بداياتهم اعتنقوا الديانة التنغرية والشامانية، لكن في منتصف القرن الثامن، وتحديدًا عام 740م تقريبًا، اتخذ الخاقان ونخبته الحاكمة خطوة مفاجئة باعتناق اليهودية لأسباب سياسية، لضمان البقاء على الحياد بين الخلافة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية في المقابل، ظل غالبية الشعب على معتقداتهم الوثنية، إلى جانب أقليات تدين بالإسلام والمسيحية.
اشتهرت المملكة بتعدد أعراقها، حيث عاش فيها الترك والإيرانيون والسلاف والشعوب الفينو-أوغرية، وتحدثوا لغة خزريه متأثرة بالتركية القديمة والأويغورية، كما اعتمد اقتصادهم على نشاط تجاري ضخم استخدم عملة اليارماق، وتميز مجتمعهم بدرجة عالية من التسامح الديني، عقد الخزر تحالفات مع البيزنطيين ضد الفرس الساسانيين، ثم واجهوا الفتوحات الإسلامية في القوقاز، مستغلين تضاريس المنطقة في صد الهجمات.
عام 730م شهد مواجهة حاسمة بعد مقتل والي القوقاز الجراح بن عبد الله، حيث أرسل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك حملة بقيادة سعيد بن عمرو الحرشي انتهت بهزيمة الخزر وتحرير الأسرى، وبعد أشهر قاد مسلمة بن عبد الملك حملة كبرى في ديسمبر من العام نفسه بمساندة عدد من قادة بني أمية مثل مروان بن محمد، كما تقدم مسلمة من برذعة حتى شروان، فهدم قلعة حيزان، ثم واصل تقدمه إلى دربند وسمندر، وفي معركة عند باب واق استخدم حيلة بارعة بتلويث مياه سمندر بدماء الحيوانات مما أجبر الخزر على الفرار، بعد ذلك أعاد تنظيم المدينة وأسكن فيها جنودًا من الشام قبل أن يعود إليها عام 732م.
تراجعت قوة الخزر تدريجيًا حتى القرن العاشر، عندما شن سفياتوسلاف الأول أمير كييف هجومًا مدمرًا بين عامي 965 و969م أدى إلى تدمير عاصمتهم آتيل، لتنكمش المملكة إلى دويلة صغيرة في القرم، ومع اجتياح المغول للمنطقة سقطت نهائيًا عام 1245م، كما هاجر قسم من الخزر إلى شرق أوروبا، وهو ما أثار نقاشًا طويلًا حول صلتهم باليهود الأشكناز بعض الدراسات الجينية مثل دراسة عيران الحايك أشارت إلى أصل خزري محتمل للأشكناز، بينما نفت دراسات أخرى ذلك بقوة.
يرى المؤرخ دوغلاس دنلوب أن الخزر تركوا بصمة مؤثرة في تاريخ أوراسيا، لكن غياب نصوص أصلية مكتوبة بلغتهم جعل دراسة أصولهم وتاريخهم مسألة معقدة، بقي إرثهم حتى اليوم مزيجًا من حقائق موثقة وأسئلة مفتوحة لا تزال تغذي أبحاث المؤرخين.



