كتابنا

عبد الحليم قنديل يكتب..

فلسطين 2021

مع فاتحة كل عام ، نتذكر الحدث الأشهر فى حياة الفلسطينيين الوطنية المعاصرة ، فقبل 56 سنة بالتمام، صدر بيان “العاصفة” الأول، وكان افتتاحا دراميا مسلحا لمرحلة كاملة من إعادة بعث الهوية الفلسطينية المستقلة ، وتوالى تحولات قيادة حركة “فتح” وزعيمها التاريخى ياسر عرفات، ورمزية “الكوفية” التى لا تزال تُظل قبر الشهيد عرفات فى رام الله .
وكما لم يكن عرفات معنى واحدا فى حياته، فكذلك قضيته، التى مرت بتحولات عسيرة، وانتقلت من أولوية الكفاح المسلح إلى ما يشبه الموات السياسى، فقد تخلى القريب والبعيد عن القضية الفلسطينية، وضعف انتظام الحركة الوطنية الفلسطينية، خصوصا فى الصف الأمامى الناطق باسمها ، فلم نعد نسمع، ومن سنوات طويلة عجاف، بعد رحيل عرفات مغتالا بالسم الإسرائيلى، سوى أنباء تثقل القلب، من نوع اتفاقات تقوم لتنهد عن مصالحات “فتح” و”حماس”، مع انقسام مزمن يتأصل بين غزة ورام الله، وتحالفات إقليمية زبائنية متقلبة، لا تريد خيرا للقضية الفلسطينية ولا للفلسطينيين، بقدر ما تستثمر فى محنة العذاب الفلسطينى، وتتسابق فى الجوهر على محبة ومودة كيان الاحتلال الإسرائيلى، وتكاد تفقأ العين باتفاقات تطبيع ملوث، تتقاطر عرباتها من الخليج إلى المحيط ، ولا تكاد تلقى بالًا للحق الفلسطينى ، الذى تركوه يتيما .

وعند قنطرة العبور من عام إلى ما يليه، لا تكاد تلحظ تغيرا ذا بال فى الأفق ، وكأن الحوادث كلها تراوح مكانها ، وكأننا فى 2021، سنعيش ما كان فى 2020 ، فالوجوه هى ذاتها، كما الصور والانقسامات والوعود، وانتظار بركة القادم الجديد إلى البيت الأبيض، وكأن الحدأة ترمى الكتاكيت، وكأن الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن، قد يقدم جديدا للفلسطينيين المنتظرين على بابه، أو أن يعطف على الحق الفلسطينى مقابل ظلم زمرة دونالد ترامب، وهو خداع بصر سرابى، تكررت أماراته طوال نحو ثلاثة عقود مضت على اتفاقات أوسلو وأخواتها، ومن دون أن يتعلم من بيدهم الأمر، لا عربيا ولا فلسطينيا، فالذين طبعوا علاقاتهم بلا مقابل، حالهم كحال السابقين إلى التطبيع بمقابل، كلهم يدعون أنهم يريدون خدمة الحق الفلسطينى، ولا يغيب عن العين ما يجرى مكررا، فى صورة لقاءات فلسطينية رسمية مع الحكومات فى عواصم عربية محيطة، وبدعوى التجهيز لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية مباشرة جديدة، يتصورون إمكانية عقدها برعاية بايدن هذه المرة، وفى ظل حماس ظاهر لإعادة المحاولة عند القيادة الفلسطينية الرسمية، التى خفت صوتها المعارض لتطبيع دول عربية مضافة، ومالت إلى إنهاء تمردها الموقوت على علاقاتها مع إسرائيل، وعادت إلى اتفاقات التنسيق الأمنى وغيرها، وإلى طى صفحة إحياء نداء المقاومة الشعبية والقيادة الوطنية الموحدة، والعودة إلى التركيز على ما يسمى التحرك الدبلوماسى وحده، وبث الحياة فى روابط العلاقات المعلنة والمخفية مع واشنطن بعد ترامب، بينما لا أحد عاقلا، يتصور تغييرا له مغزى جوهرى فى مواقف الإدارة الأمريكية، فولاء ترامب لمصلحة الكيان الإسرائيلى، كان مقاولاتيا وصفقاتيا بامتياز، بينما ولاء بايدن لمصلحة العدو مختلف، فهو ولاء أيديولوجى تام، والرجل يفخر بكونه صهيونيا بالسليقة وبسوابق السيرة ، ولن ينقلب على شيء مما فعله ترامب هنا، لا فى الاعتراف رسميا بالقدس كلها كعاصمة أبدية للكيان الإسرائيلى، ولا فى ضم الجولان، ولا فى اتفاقات “أبراهام” التطبيعية، ولا فى ضم مستوطنات الضفة الغربية لإسرائيل، ولا فى الدعم الكلى المطلق لأولويات قادة الكيان الصهيونى، وقد اختلف باراك أوباما من قبل مع صلف بنيامين نتنياهو، ولم يكن بينهما أدنى توافق فى الكيمياء الشخصية، لكن أوباما لم يترك البيت الأبيض لخلفه ترامب، إلا بعد التوقيع على صفقات أسلحة متطورة شبه مجانية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار، وقد كان بايدن نائبا لأوباما ، وكان أكثر منه مزايدة فى خدمة إسرائيل، وقد يكف بايدن عن دعم ما أسمى “خطة ترامب” نصا لا فصا، وقد يعود إلى تكرار أسطوانة السعى المشروخ إلى “حل الدولتين” ، والإفراج عن معونات مالية محدودة للفلسطينيين ، أو لوكالة “الأونروا” ، لكنه لن يقدم على جديد ملفت يخص الحق الفلسطينى، مع معاودة الدوران فى حلقة المفاوضات المفرغة، ومنح المزيد من الوقت اللازم لإسرائيل، لالتهام ما تبقى من الضفة الغربية بعد غلق ملف القدس المحتلة.

وقد يأمل أنصار المفاوضات العبثية من الفلسطينيين، أن يجدوا ما قد يرونه شريك سلام إسرائيلي ألطف من نتنياهو، وهو ما لا تبدو طرقه ممهدة على خرائط العام 2021 ، ففى نهاية مارس المقبل، تجرى الانتخابات الإسرائيلية الرابعة فى عامين، وفى ثلاث جولات سبقت، ظل نتنياهو فى كرسى رئاسة الوزراء، ومن دون أن تتأثر قوته باتهامات وقضايا الفساد المتلاحقة، وهو ما قد يرد أن يتكرر للمرة الرابعة، ففى الجولة الثالثة ، كان غريمه الجنرال بينى جانتس وتحالف “أزرق أبيض” ، ونجح نتنياهو فى احتوائه وخداعه، بينما فى الجولة الرابعة المقبلة، يظهر غريم آخر هو “جدعون ساعر” وحزبه المسمى “أمل جديد”، وساعر كان منافسا محبطا لنتنياهو فى قيادة “الليكود” ، وانشق مؤخرا لينشئ حزبه، الذى تعطيه استطلاعات الرأى حضورا ملحوظا، قد يجعله الحزب الإسرائيلى الثانى وزنا بعد جماعة “الليكود”، لكن ساعر الأكثر شبابا، هو أيضا الأشد يمينية بامتياز، فإذا كان نتنياهو يريد التهام أغلب مساحة الضفة الغربية، مع ترك جيوب وكانتونات معزولة للفلسطينيين، فإن ساعر أكثر وضوحا وقطعا، ويريد التهام الضفة بكاملها، وهو الأكثر قدرة على مخاطبة غرائز المزاج اليمينى السائد فى إسرائيل، الذى قد تكسب أحزابه نحو ثلثى أعضاء “الكنيست” المقبل، والمحصلة ظاهرة، فحتى بافتراض إمكانية التخلص من نتنياهو، فما من بديل مرئى ألطف للقيادة الفلسطينية الرسمية، وهو ما يعنى حكما، أن المفاوضات حال استئنافها ، لن تكون سوى مضغ للوقت، وعودة للدوران البائس فى الحلقة المفرغة ذاتها، وفى طاحونة المفاوضات من أجل المفاوضات.

وبالجملة، لا يبدو عام 2021 سعيدا ولا واعدا للقضية الفلسطينية، خصوصا مع استمرار الانقسام بين رام الله وغزة، ومع تجدد غواية المفاوضات ومتاهاتها، ومع ازدحام أجندة المنطقة بقضايا ومآسٍ أخرى فى العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها ، ومع بروز أولوية ومساعى العودة لاتفاق جديد بين واشنطن وطهران، وهو ما لن يكون سهلا بحال، فلن يتمكن بايدن غالبا من تلبية طلب إيران بالعودة السريعة إلى نص “الاتفاق النووى” الذى انسحب منه ترامب، وربما يصر على فرض شروط إضافية، بينها إدماج نشاط طهران الصاروخى وتمددها الإقليمى فى أى اتفاق لاحق، وهو ما قد تعتبره إيران حكما بالإعدام السياسى لمشروعها ونفوذها، وبالذات مع احتمال صعود المتشددين لرئاسة إيران فى انتخابات أواسط العام الجديدة، وبديهى أن بايدن لن يعطى ظهره لإسرائيل هذه المرة، وربما يسعى لإشراكها صراحة أو ضمنا فى أى ترتيبات مزمعة مع إيران، خصوصا مع تقدم إسرائيل استراتيجيا إلى جوار إيران الخليجى باتفاقات التحالف مع البحرين والإمارات، وكلها ظروف متوقعة، تحجب فرصة التركيز السياسى على قضية الحق الفلسطينى، وعلى أى مسعى مزعوم لتسوية فلسطينية إسرائيلية، اللهم إلا إذا جرى جديد صاخب مؤثر على الجبهة الفلسطينية، يقلب معادلات الركود كليا أو جزئيا، إما بأقدار مفاجئة، أو بأقدار يملكها الشعب الفلسطينى وحده، وهو كتلة فياضة بالحيوية برغم تراكم القهر، توالى انتفاضاتها الصغيرة المبعثرة يوميا، التى يعيقها إعراض غالبية الفصائل عمليا عن مبدأ المقاومة، فإلى ما قبل سنوات، كانت بعض الفصائل أقرب إلى خط المقاومة، بينما فصائل أخرى أقرب إلى خط المساومة، وابتعدت بالجملة عن مغزى “بيان العاصفة” قبل 56 سنة، بينما ظلت جماعات صغيرة وفية لدينها وسلاحها ووطنها المحتل، وبدت الفصائل الأكبر كأنها اجتمعت على ملة المساومة، واللجوء لشعارات المقاومة أحيانا موسمية، أو على سبيل المناورة وبسط العضلات، وفقط من أجل تحسين نصيبها فى المساومة، وبما انتهى إلى خلل ظاهر فى التركيب الراكد للحركة الوطنية الفلسطينية اليوم، واستنزاف الوعى الشعبى فى انقسامات لا تنتهى، تهد حيل الفعل الفلسطينى المقاوم، وتجعل تجدده العارم مؤجلا، بينما المقاومة المسلحة والشعبية هى الطريق الوحيد لتعديل وقلب الموازين، واستعادة الانتباه العربى والعالمى إلى الحق الفلسطينى السليب، وهو ما تدركه غريزيا ملايين الشعب الفلسطينى، التى لا يملك أحد ترف المزايدة على تضحياتها وصمودها الأسطورى المنتصر بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى