تاريخ ومزارات

المقتدر بالله العباسي.. سبب ضعف مركز الخلافة العباسية في مصر

أسماء صبحي
المقتدر بالله العباسي هو أبو الفضل المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفَّق أحمد بن المتوكِّل على الله جعفر بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، الهاشمي، العبَّاسي، البغدادي، وُلِد في شهر رمضان سنة 282هـ، وأمُّه اسمها “شغب”، وهو الخليفة العباسي الثامن عشر في ترتيب الخلفاء العباسيِّين (295-320هـ، 908-932م).
 

تولي الخلافة

تولَّى المقتدر بالله الخلافة وهو في سنِّ الثالثة عشرة بعد أخيه المكتفي بعهد منه في (ذي القعدة سنة 295هـ، أغسطس سنة 908م)، وهو بذلك يُعدُّ أصغر من تولَّى هذا المنصب بدايةً من قيام دولة الإسلام حتى وقته، ممَّا أوهن شأن الخلافة، وكانت مدَّة خلافته وبالًا على الدولة العباسيَّة والأمَّة الإسلاميَّة.
 

بيعة ابن المعتز ومقتله

أثار تولي “المقتدر” الخلافة اعتراض كثيرٍ من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمُّل المسئوليَّة، خاصَّةً “عبد الله بن المعتز” الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأي، فاتَّفق رأي عددٍ منهم على خلع “المقتدر” وتولية “عبد الله بن المعتز”، وكان عمره نحو تسعةٍ وأربعين عامًا.
 
وعندما عرضوا الأمر على “ابن المعتز” وافق بشرط ألَّا يُسفك دمٌ أو تنشب حرب، فأخبروه أنَّ الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأنَّ جميع من وراءهم من الجند والقوَّاد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمَّت البيعة لابن المعتز في (19من ربيع الأول سنة 296هـ، نوفمبر سنة 908م)، ولُقِّب بالرَّاضي بالله، ولكنَّ أنصار “المقتدر” -وعلى رأسهم “مؤنس الخادم”- لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجَّهوا نحو “ابن المعتز” وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب “المقتدر” في اليوم التالي لبيعة “ابن المعتز”، الذي لم يمكث في الخلافة إلَّا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرِّخون عند ذكرهم قائمة خلفاء “بني العباس”.
 

صفة المقتدر بالله ووصفه

كان المقتدر بالله شديد السرف، مبذِّرًا للأموال لحدٍّ لا يُعقل، حتى إنَّه قد أنفق ثمانين مليون دينار على شهواته وملذَّاته، ولم يعبأ بمُلْكٍ ولا خلافة؛ بل كان منشغلًا باللهو واللعب مع الجواري والندماء، وحكومته بيد أمِّه وقهرمانته وبعض المنتفعين.
 
وقال الذهبي: “وكان رِبعة، مليح الوجه، أبيض بحمرة، نزل الشيب بعارضيه، وعاش ثمانيًا وثلاثين سنة. قال أبو علي التنوخي: كان جيِّد العقل، صحيح الرأي، ولكنَّه كان مؤثِرًا للشهوات، لقد سمعت عليَّ بن عيسى الوزير يقول: ما هو إلَّا أن يترك هذا الرجل -يعني المقتدر- النبيذ خمسة أيَّام، فكان ربَّما يكون في أصالة الرأي كالمأمون والمعتضد. قلت: كان منهومًا باللعب والجواري، لا يلتفت إلى أعباء الأمور، فدخل عليه الداخل، ووهن دسته”.
 
وأضاف الذهبي: “قال الصولي: كان المقتدر يُفرِّق يوم عرفة من الضحايا تسعين ألف رأس، ويُقال: إنَّه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار، عثر نفسه بيده … وقال ثابت بن سنان طبيبه: أتلف المقتدر نيِّفًا وسبعين ألف ألف دينار”.
 

أحوال الخلافة في عهد المقتدر بالله

وقد تدهورت الأوضاع في عهد “المقتدر”، وانتشرت الفتن وازداد تمزُّق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكَّم النساء والخدم في شئون البلاد، فقد كان المقتدر بالله غلامًا صغيرًا لا يعرف شيئًا من أمر الخلافة، ومقاليد الأمور بيد أمِّه السيِّدة “شغب” وقهرمانته “أم موسى”، فكانت “شغب أم المقتدر” تُولِّي من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان “مؤنس الخادم” صاحب مكانة متميِّزة وخطرة في عهد “المقتدر”.
 
وأوضح الذهبي: “واستقلَّ بالأمر والنهي السيِّدة أم المقتدر، وأمرت القهرمانة ثمل أن تجلس بدار العدل، وتنظر في القصص، فكانت تجلس، ويحضر القضاة والأعيان، وتُوَقِّع ثمل على المراسم … وتجمَّع في سنة ثمان (308هـ) من الغوغاء ببغداد عشرة آلاف، وفتحوا السجون، وقاتلوا الوزير وولاة الأمور، ودام القتال أيَّامًا، وقُتِل عدَّة، ونُهِبَت أموال الناس، واختلَّت أحوال الخلافة جدًّا، ومُحِقَت بيوت الأموال”.
 
وفسدت أحوال الخلافة، وكثر تغيير الوزراء وشراء المناصب وبيع الإقطاعات، وظهر نظام الضمان في عهده لأوَّل مرَّة، وهو الذي أدَّى لانهيار القدرة الزراعيَّة والصناعيَّة للبلاد، وكان لوزيره الشرِّير المفسد “الحسن بن الفرات” دورٌ كبيرٌ في تكريس الفوضى والفساد، وهذا الرجل ينسبه كثيرٌ من المؤرِّخين للباطنيَّة.
 

ظهور القرامطة

وقد أدَّى هذا الاختلال لأن يرفع أعداء الإسلام رؤوسهم، فظهرت فرقة القرامطة الملحدة وعاثت في الأرض فسادًا، ووقعت الذلَّة على المسلمين بسببهم، حتى إنَّ جيشًا للمقتدر يُقدَّر بأربعين ألفًا فرَّ من جيشٍ للقرامطة يُقدَّر بألفٍ وسبعمائة مقاتل فقط، وتطاولت جرائم القرامطة حتى قاموا بالحادث الأشنع سنة 317هـ عندما انتهكوا حرمة المسجد الحرام، وقلعوا الحجر الأسود واحتفظوا به عندهم في مركزهم الرئيس في “هَجَر” بالبحرين لأكثر من عشرين سنة، حتى رُدَّ إلى مكانه في عهد “المطيع” سنة (339هـ، 950م).
 

ظهور الفاطميين

ومن أهمِّ الأحداث في عهد “المقتدر” بداية ظهور العُبيديِّين أو الفاطميِّين في “شمال إفريقيا”، ويرجع الفضل في قيام “الدولة الفاطميَّة” إلى “أبي عبد الله الحسين بن أحمد”، المعروف بأبي عبد الله الشيعي، أحد دعاة الفاطميِّين البارزين في المغرب، وكان يُعرف أحيانًا باسم “المحتسب”؛ لأنَّه كان مراقِبًا لأسواق “البصرة” بالعراق قبل انتقاله إلى “المغرب”.
 
وقد تمكَّن “أبو عبد الله الشيعي” من القضاء على “دولة الأغالبة” في “المغرب”، والاستيلاء على عاصمتهم “رقادة” سنة (296هـ، 909م)، ونُصِّبَ أوَّلُ إمامٍ من أئمَّة الفاطميِّين وهو “عبيد الله المهدي” -وكنيته “أبو محمد”- الذي قيل إنَّه من سلالة الإمام “الحسين بن علي بن أبي طالب” رضي الله عنهما.
 
وقد تلقَّب “عبيد الله المهدي” بأمير المؤمنين، وبنى مدينة “المهديَّة” عاصمةً له، وانتقل إليها من رقادة سنة (308هـ=920م)، وقد نجح الفاطميُّون في الاستيلاء على مصر سنة (358هـ=969م)، في عهد الخليفة الفاطمي “المعز لدين الله”.
 
وهذا الضعف الشديد لمركز الخلافة العبَّاسيَّة دفع أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر لأن يُعلن نفسه خليفةً للمسلمين لأوَّل مرَّةٍ سنة 312هـ، خاصَّةً بعد تنامي قوَّة الفاطميِّين وامتداد أطماعهم إلى مصر.
 

قيام دولة بني حمدان

ومن الأحداث المهمَّة التي شهدها عهد “المقتدر” -أيضًا- قيام دولة “بني حمدان” في “الموصل”؛ فقد استمرَّ “أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان” يحكم الموصل والبلاد التابعة لها من قِبَلِ الخليفة “المكتفي” حتى وفاته سنة (317هـ=929م)، فورثه ابنه “حسن” الملقَّب “ناصر الدولة” على ولاية الموصل، واستطاع أن يمدَّ سلطانه إلى “ديار ربيعة” و”مُضَر” بأرض الجزيرة، وقد اتَّسع نفوذ الحمدانيِّين وملكهم بعد وفاة الخليفة “المقتدر”، ونجحوا في بسط سلطانهم على “حلب” و”شمال الشام” سنة (333هـ=945م) بقيادة زعيمهم المعروف “سيف الدولة الحمداني”، الذي قال فيه “المتنبي” أروع قصائد المديح.
 
وقد أسهم أمراء “بني حمدان” وفي مقدمتهم “سيف الدولة الحمداني” في صدِّ غارات الروم (البيزنطيِّين) عن مناطق الثغور الإسلاميَّة، وفي رعاية الحركة العلمية والأدبية التي بلغت في عهدهم مركزًا مرموقًا.
 

علاقة المقتدر بالله مع الروم

في عام 303هـ غزا مؤنس الخادم بلاد الروم، وافتتح حصونًا، وعظم شأنه، وفي سنة 305هـ قدمت رسل طاغية الروم يطلب الهدنة، فزُيِّنت دور الخلافة، وعرض المقتدر جيوشه ملبَّسين فكانوا مائة وستين ألفًا، وكان الخدَّام سبعة آلاف، والحجَّاب سبع مائة، والستور ثمانية وثلاثين ألف ستر، ومائة أسد مسلسلة، وفي الدهاليز عشرة آلاف جوشن (درع) مذهَّبة، إلَّا أنَّه في أواخر خلافته استطال الروم على المسلمين وأغاروا على بلاد الجزيرة الفرائيَّة عدَّة مرَّات حتى اضطر أهل هذه البلاد لدفع الجزية لملك الروم والخلافة عاجزة عن دفع الضرِّ عنهم.
 

مقتل المقتدر بالله

وفي أواخر عهد المقتدر بالله وقع صراعٌ كبيرٌ بين قائد الجيش “مؤنس الخادم” وقائد الشرطة “محمد بن ياقوت”، وانحاز الخليفة لابن ياقوت، وانحاز معظم الجيش لقائده “مؤنس”، وتفارط الحال على خليفة بغداد، وأسهم المفسدون في إذكاء الصراع حتى وصل لمرحلة القتال المسلَّح الذي انتهى بكارثة؛ حيث قُتِل المقتدر بالله من غير أمرٍ من مؤنس الخادم بباب الشماسيَّة في يوم الأربعاء 28 شوال (320ه، 932م)، بعد أن ظلَّ في الحكم خمسًا وعشرين سنة، هي أطول مدَّةٍ يقضيها خليفة عباسي في الحكم حتى عصره.
 
ولمـَّا علم مؤنس الخادم بمقتل الخليفة لطم رأسه وقال: “والله ما أمرتكم بهذا، ووالله لنقتلنَّ جميعًا على هذا”، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك، وبويع بالخلافة من بعد المقتدر أخوه القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد (320-322هـ، 932-934م).
 
وعلى الرغم من تدهور أحوال البلاد السياسيَّة في عهد “المقتدر” فإنَّ الحياة العلميَّة قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا في هذا العصر، وبمقتل “المقتدر” دخل عصر نفوذ الأتراك مراحله الأخيرة.
 
نقلًا عن الكاتب عبداللطيف جنيدي، وهو باحث في التاريخ الإسلامي وعضو بفريق حراس الحضارة للوعي الاثري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى