حوارات و تقارير

الكعبة.. وتراث الحج القديم

حاتم عبدالهادى السيد

 

تتزين الأراضى السعودية الحجازية – كل عام – وتزدهى بقدوم حجاج بيت الله الحرام من كل حدب وصوب فى الوطن العربى والعالم الأسلامى ، وتتهيأ يثرب ” المدينة المنورة ” لاستقبال موسم الحجيج حيث قبر النبى “ص” ، وحيث البقيع وقبور الصحابة والأنصار ، أما مكة فتكاد لاتنام حيث تتهيأ الأماكن المقدسة للعرس الالهى السنوى الذى دعى اليه المولى عز وجل فى كتابه العزيز ما قال جل شأنه : ” وأتموا الحج والعمرة لله ” صدق الله العظيم .

وفى كل عام يتم تجديد كسوة الكعبة المشرفة منذ عهد سيدنا اسماعيل والذى يقال أنه كساها مع أبيه سيدنا ابراهيم عليهما السلام ، أما أول من كساها – كما تذكر المراجع التاريخية فهو ” عدنان بن أد ” الجد الأعلى للنبى ص، أو ” أسعد أبوكرب ” ملك حمير ( اليمن ) والمعروف ياسم ” تبّع حمير ” وهو أول من كساها بالخصف ثم بالمعافير والملاء والوصائل بعد غزوة يثرب وذلك قبل الهجرة بحوالى 220 عاماً ، وتبعه بعد ذلك خلفاؤه ، ثم تولت قريش أمر الكسوة بالتعاون مع بقية القبائل حتى جاء ” أبوربيعة بن المغيرة المخزومى ” وكان غنياً فاحش الثراء فقال : أكسوها عاماً ، وتكسوها قريش عاماً ، وكان يكسوها بالجلد ، لذا لقب بالعادل ، ثم كستها أم عمربن الحكم السلمى بشعر وبر الجمال ، كما كساها ” خالد بن جعفر بن كليب ” بالديباج .وتصنع الكسوة الخارجية من الحرير الأسود وتجدد سنوياً ، أما الكسوة الداخلية فتصنع من الحرير الأحمر ، وتجدد كلما بليت، أما كسوة الحجرة النبوية الشريفة فتصنع من الحرير الأخضر المطرز باللون الأبيض ومكتوب فوقها : ” لا اله الا الله محمد رسول الله ” .كما يتم كسوة مقام سيدنا ابراهيم ومنبر المسجد الحرام ،بينما مفتاح الكعبة فيصنع من الحرير الأخضر المزركش بالخيش الأصفر المطلى بالبندق الأحمر .

والمحمل عادة عربية قديمة ارتبطت بوجود الجمل فى الجزيرة العربية حيث استخدم الجمل فى حمل لهدايا الى الكعبة قبل الاسلام ، ولقد أر سل النبى محمد صلى الله عليه وسلم المحمل بهدايا الكعبة عام 9هـ فى أول الحكم الاسلامى عندما نزلت فريضة الحج . ولقد كان الحجاج بن يوسف الثقفى أول من سيّر المحمل الشامىالى الحجاز منذ عام 72هـ -74 هـ .ولقد كانت هناك سبعة محامل عربية تصل الى مكة كل عام غير المحمل المصرى وهى : المحمل الشامى ، العراقى ، اليمنى ، المغربى ، التركى ، التكرورى ، المغربى ، ولقد تميز المحمل المصرى بالتفوق فى الصناعة والتنظيم والاحتفال .وفى أثناء الحج تتجمع هذه المحامل لتصل الى عرفات مصاحبة بالموسيقى العسكرية والمزمار البلدى وطلقات المدافع والبنادق ،.ولقد برز لقب أمير الحج وكان الخليفة أبوبكر الصديق رضى الله عنه أول أمير للحج الاسلامى عام 9هـ ، ثم توالى المراء من الدول الأخرى .

وحين برزت أسرة آل سعود وأمسكت بتقاليد الحكم فى المملكة كان أول قرار للملك / عبدالعزيز بن سعود بانشاء أول مصنع لتطريز كسوة الكعبة المشرفة فى منطقة أجياد بمكة وذلك فى الفترة من 1926 – 1936 م ، وكان السبب سياسياً فى المقام الأول والذى يمثل انقضاء عهد السيادة المصرية على منطقة الحجاز ، كما أن تقاليد المحمل فى دق الطبول والمزامير لم تكن تتوافق مع تقاليد المذهب الوهابى ، كما أن الأزمات قد احتدمت بين الدولتين من جهة وبين جيوش الملك عبدالعزيز سلطان نجد آنذاك وبين الشريف حسين على ملك الحجاز وانتهت الأزمة بتنازل الشريف حسين عن الحكمعام 1924 م ، وتم الاعتراف رسمياً بالدولة السعودية المستقلة فى عهد الملك فاروق ملك مصر آنذاك ،وعندئذ أمر الملك سعود – رحمه المولى عز وجل – بانشاء مصنع لكسوة الكعبة بصالة وزارة المالية السعودية فى منطقة ” جردل ” واستمر بها ، الى أن تم انشاء مصنع مستقل بمنطقة ” أم الجود ” وتم افتتاحه رسمياً عام 1977 م فى عهد الملك / خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله – وهو مستمر فى عمله الى الآن .ولقد كانت فكرة كسوة الكعبة تمثل رمز التواصل بين أطراف العالم العربى والاسلامى كما يقول أ/ محمد على السيد فى كتابه ” من دروب الحج فى مصر ” ، كما حملت الكسوة أسماء الملوك من أسرة آل سعود حتى الآن فى عهد صاحب السمو الملكى جلالة الملك / سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله .

ولقد اهتم الملوك والسلاطين والحكام العرب بأمر الكسوة لأنها كانت تمثل الزهو والفخار والسيادة واللقب العظيم ” خادم الحرمين الشريفين ” ، ولقد اهتم محمد على بك الكبير والى مصر بأمر الكسوة فقام بانشاء دار الكسوة فى منطقة ” الخرنفش “بالقاهرة عام 1233هـ – 1818م ، واستمرت الكسوة تصنع فى مصر وفى البلاد العربية على عهد المماليك مروراً بصلاح الدين الأيوبى حتى عهد الظاهر بيبرس وشجرة الدر والظاهر بيبرس حتى عهد عباس حلمى والملك فؤاد الأول ملك مصر .ولقد كانت شجرة الدر ثالث امرأة تكسو الكعبة بعد نتيلة بنت حباب أم العباس بن عبدالمطلب – فى الجاهلية – ثم ام عمر بن الحكم السلمى كما ذكرنا آنفاً . أما أمر حجابة الكعبة فقد أسند لبيت الشيبى ” شيبة الحمد ” با لمملكة العربية الاسلامية قبل ظهور الاسلام ب1500 عام ، ولقد اعطاهم النبى محمد ص مفاتيح الكعبة يوم فتحها فأصبحوا فى حق لاينازعهم فيه منازع الى يوم القيامة .ولقد كانت الكعبة تغسل بماء الورد وتطيب بالعطور ، ولقد أبقى النبى ص على امر الكسوة وقال يوم فتح مكة : ” هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ” .

ولقد أولت المملكة العربية السعودية كل الاهتمام بأمر الكعبة وكسوتها وتوسعة الحرم المكى لتسع الحجاج والمعتمرين الذين يفدون اليها من كل أرجاء الكون والعالم .

انه الحج الاسلامى ، الفريضة التى تكتمل بها أركان الاسلام ، وتزدهى بها نفوس المؤمنين فى مشارق الأرض ومغاربها ، فما أجملها من سياحة روحية فى فضاء الايمان الى بيت الله فى الأرض حيث تزدهى الكعبة وتسطع الأنوار على المسجد النبوى بالمدينة المنورة ، فيا لسعد من زار ، ويالهناء من أقام ، ويالسعد العاشق المستهام فى رحاب مملكة الايمان والاسلام والمسلمين ، فلبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك ، ان الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك ” والله الموفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى