في ذكرى ميلاد الشيخ محمد رفعت.. “قيثارة السماء” التي أبكت القلوب
أسماء صبحي – تحل اليوم ذكرى ميلاد الشيخ محمد رفعت، أحد أعظم قراء القرآن الكريم في تاريخ التلاوة المصرية والعربية، والذي ارتبط اسمه بخشوع التلاوة وجمال الصوت حتى لقب بـ”قيثارة السماء”. وبعد عقود طويلة من رحيله ما زال صوته حاضرًا بقوة في وجدان المسلمين، باعتباره واحدًا من أبرز الأصوات التي تركت أثرًا روحيًا عميقًا في عالم التلاوة والابتهالات.
واستطاع الشيخ رفعت أن يصنع مدرسة فريدة في قراءة القرآن الكريم. اعتمدت على الجمع بين قوة الأداء وصفاء النبرة والتأثير الروحي الكبير حتى أصبح نموذجًا يحتذى به لدى أجيال من القرّاء الذين جاءوا بعده.
نشأة الشيخ محمد رفعت
ولد محمد رفعت عام 1882 في حي المغربلين بالقاهرة وفقد بصره في طفولته المبكرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من حفظ القرآن الكريم وإتقان أحكام التلاوة منذ صغره.
وكان والده يعمل مأمورًا بقسم الشرطة وحرص على تعليم ابنه القرآن الكريم في الكتاتيب، قبل أن تظهر موهبته الاستثنائية في التلاوة بشكل لافت. ومع مرور الوقت ذاع صيته داخل المساجد والمجالس الدينية في القاهرة. خاصة بسبب صوته المختلف الذي امتاز بالعذوبة والخشوع الشديد.
وفي سن مبكرة تولى الشيخ رفعت قراءة القرآن في مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز. وهو المسجد الذي شهد انطلاقته الحقيقية نحو الشهرة الواسعة.
أول صوت قرآني ينطلق عبر الإذاعة المصرية
يعد محمد رفعت واحدًا من أهم الشخصيات في تاريخ الإذاعة المصرية. إذ كان أول قارئ يفتتح بصوته البث الرسمي للإذاعة عام 1934 في لحظة تاريخية ما تزال حاضرة في ذاكرة الإعلام المصري.
وكانت تلاوته لسورة “الفتح” حدثًا استثنائيًا وقتها. حيث التف المصريون حول أجهزة الراديو للاستماع إلى صوته الذي وصفه كثيرون بأنه يحمل حالة روحانية خاصة.
ورغم الشهرة الكبيرة التي حققها عرف الشيخ رفعت بتواضعه الشديد وابتعاده عن الأضواء. كما رفض في أكثر من مناسبة تسجيل القرآن الكريم لصالح شركات أجنبية حفاظًا على قدسية التلاوة.
مدرسة خاصة في التلاوة
تميّز الشيخ محمد رفعت بأسلوب فريد جعله مختلفًا عن بقية القراء. حيث جمع بين المقامات الموسيقية المتقنة والأداء الهادئ المؤثر دون تكلف. وكان يعتمد على إيصال معاني الآيات بروحانية عالية جعلت المستمع يعيش حالة من التأثر والخشوع.
وتأثر به عدد كبير من مشاهير القرّاء في مصر والعالم الإسلامي. كما اعتبره كثيرون أحد أهم الأصوات التي ساهمت في تشكيل “العصر الذهبي” لتلاوة القرآن الكريم في مصر.
ويؤكد باحثون في التراث الديني أن تسجيلات محمد رفعت ما تزال حتى اليوم من أكثر التلاوات تداولًا واستماعًا رغم مرور عشرات السنين على رحيله.
سنوات المرض والرحيل
في أواخر حياته، عانى الشيخ محمد رفعت من مرض في الحنجرة أثر على صوته بشكل كبير، مما اضطره إلى التوقف عن التلاوة تدريجيًا. ورغم معاناته الصحية ظل محتفظًا بمكانته الكبيرة لدى الجمهور ومحبيه داخل مصر وخارجها.
ورحل الشيخ عام 1950 لكنه ترك خلفه إرثًا ضخمًا من التلاوات النادرة التي ما تزال تبث عبر الإذاعات والقنوات الدينية حتى اليوم. لتؤكد استمرار حضوره كواحد من أعظم قراء القرآن في التاريخ الحديث.



