البشعة: طقس عدلي بدوي لاختبار الحقيقة بالنار
أسماء صبحي– تعد العادات القبائلية منعمق التراث الثقافي العربي، إذ تعكس منظومة قيم متكاملة ولا تقتصر على الطقوس الاجتماعية فحسب. بل تمتد لتنسجم مع نظم الشرف والعدالة والهوية. ومن بين هذه العادات تبرز البشعة كطقس بدوي قديم يستخدم كوسيلة لكشف الحقيقة واختبار الصدق، وتعرف أيضًا بـ”اختبار النار”.
ما هي البشعة؟
تشير البشعة إلى طقس يستخدم مكواة حديدية ساخنة “الملعقة” تمسك على لسان الشخص المتهم بالكذب أو الجريمة. ويمارس هذا الطقس لتأكيد اتهامات أو نفيها، ضمن ما يعرف بنظام “الشرف” البدوي الذي يضبط العلاقات الاجتماعية ويضمن العدالة في غياب النظام القضائي الرسمي.
آلية الطقس ومن يمارسه؟
لا يحق لأي شخص أن ينفذ هذا الطقس بل يناط بهذا الدور المبشع. وهو شخص مخوّل بتنفيذ الطقس عبر النزعة الوراثية أي ينتقل هذا الدور أبًا عن جد.
ويقوم المبشع أولًا بسماع روايات الأطراف المعنية، ثم يضع الملعقة الحمراء الساخنة على لسان المتهم. وإذا تبين أن المتهم لم يكذب يقال إن النار “برأت” المتهم، وإن لم ينج فقد أثبتت البشعة إدانته. هذه الممارسة موروثة عن أزمنة ما قبل الإسلام لكن رواياتها تشير إلى أن رجالًا مثل أحدهم يدعى “ويمر أبو أياض” قد أنشأ العرف.
الأبعاد القانونية والدينية
بحسب المصادر، كانت هذه العادة غير قانونية خلال الانتداب البريطاني على سيناء لكنها استمرت ضمن العشائر المحلية. كما تثير الآن رفضًا واسعًا من قبل الدول العربية لعدم توافقها مع الشريعة الإسلامية.
هوذا الطقس ليس مجرد إجراء بدائي أو مقزز؛ بل هو جزء من منظومة قبلية كاملة. ففي غياب الدولة كانت القبائل تعتمد على “نظام الشرف” لضبط النزاع وحماية الأصول وفرض العقوبات. وهو يوفر وسيلة للعدالة البدائية تراعى فيها القوانين العرفية وتُصان العلاقات بين القبائل.
المعاصرة والجدل حول البشعة
في ظل التحول المجتمعي ونشر الثقافة القانونية، أصبحت البشعة نادرة ومدانة بشكل علني. ومع ذلك يحتاج البعض الحفاظ على هذه الطقوس في سياق التنمية الثقافية والتراثية كجزء من سجل تاريخي لا سيما في المناطق النائية. وفي بعض المجتمعات بدأت تتبلور محاولات لتوثيق الطقس تحولًا معرفيًا لا حفاظًا على ممارسته فعليًا.



