السبلة العمانية.. مؤسسة قبلية حكمت المجتمع قبل الدولة
أسماء صبحي – في القرى والواحات العُمانية القديمة، لم تكن الحياة القبلية تدار بعشوائية أو ارتجال. بل اعتمدت على نظام اجتماعي راسخ عرف باسم “السبلة العماني”، وهي مؤسسة قبلية لعبت دورًا محوريًا في تنظيم شؤون المجتمع، وحل النزاعات، واتخاذ القرارات المصيرية، قبل ظهور مؤسسات الدولة الحديثة.
ولم تكن السبلة مجرد مجلس للجلوس أو تبادل الأحاديث، بل كانت منصة للحكم العرفي والتشاور الجماعي. يجتمع فيها رجال القبيلة ووجهاؤها لمناقشة القضايا العامة، من الخلافات اليومية البسيطة إلى النزاعات الكبرى التي قد تهدد السلم الاجتماعي داخل القرية أو بين القبائل.
ما هي السبلة؟
السبلة هي مبنى أو مساحة مخصصة داخل القرية، غالبًا ما تُقام في موقع مركزي، لتكون متاحة للجميع. وينظر إليها باعتبارها رمزًا للعدالة القبلية، حيث يسمح لكل طرف بعرض قضيته أمام كبار السن والحكماء الذين يتولون الاستماع والتداول وإصدار الحكم وفق الأعراف المتوارثة.
وقد ارتبط وجود السبلة بثقافة التشاور واحترام الرأي الجماعي. إذ لم يكن القرار فرديًا أو استبداديًا، بل ناتجًا عن نقاش مطول يراعي مصلحة الجماعة قبل الأفراد.
محكمة بلا جدران رسمية
أحد أبرز أدوار السبلة كان التحكيم القبلي. فقد كانت المكان الأول الذي تعرض فيه النزاعات المتعلقة بالأراضي، والمياه، والزواج، والميراث، وحتى قضايا الثأر. وكان الحكم الصادر عن السبلة يحظى بقبول واسع، ليس خوفًا من العقاب، بل احترامًا لقيمة العرف ومكانة من يصدرون الحكم.
ويؤكد باحثون في التراث الاجتماعي أن نجاح السبلة في فض النزاعات يعود إلى اعتمادها على السمعة الاجتماعية والالتزام الأخلاقي. حيث يُعد رفض الحكم أو الإخلال به إساءة للمكانة الاجتماعية للفرد وعائلته.
مدرسة سياسية واجتماعية
لم تقتصر وظيفة السَّبْلة على حل الخلافات، بل كانت مدرسة غير رسمية لتنشئة الأجيال الجديدة. ففيها يتعلم الشباب آداب الحوار، واحترام الأكبر سنًا، وضبط النفس، واختيار التوقيت المناسب للكلام، وهي مهارات أساسية في الحياة القبلية.
كما كانت السبلة المكان الذي تناقش فيه القضايا العامة، مثل تنظيم شؤون الزراعة، أو الدفاع عن القرية، أو اختيار شيخ القبيلة. مما يجعلها بمثابة برلمان محلي قبل ظهور المجالس المنتخبة.
أعراف صارمة وقواعد غير مكتوبة
للسَّبْلة قواعد صارمة، رغم أنها غير مدونة. من أبرزها عدم مقاطعة المتحدث، خفض الصوت، الالتزام بالصدق، واحترام ترتيب الجلوس الذي يعكس المكانة العمرية والاجتماعية. وكان الإخلال بهذه القواعد يُقابل بالاستهجان وربما التهميش الاجتماعي.
هذه الأعراف حافظت على هيبة السبلة، وجعلت منها مساحة آمنة للنقاش، بعيدة عن الفوضى أو الصراعات المفتوحة.
بين التراجع والاستمرار
مع قيام الدولة الحديثة في عمان وتطور مؤسسات القضاء والإدارة، تراجع الدور التنفيذي للسبلة، لكنها لم تختفي. فما زالت قائمة في كثير من القرى، وتستخدم اليوم في الصلح الاجتماعي، أو في مناقشة شؤون المجتمع المحلي، أو في المناسبات العامة.
ويرى مختصون أن بقاء السبلة حتى اليوم يعكس قدرتها على التكيف. حيث تحولت من مؤسسة حاكمة إلى فضاء اجتماعي يحافظ على الروابط التقليدية ويكمل دور المؤسسات الرسمية بدل أن ينافسها.
ويقول أحد الباحثين المتخصصين في الأنثروبولوجيا الاجتماعية: “السبلة ليست مجرد تقليد قديم، بل نموذج مبكر للحكم المحلي القائم على المشاركة والثقة. لقد نجحت لأنها اعتمدت على القيم الأخلاقية والانتماء الجماعي، وليس على القسر أو العقاب”.



