تاريخ ومزارات

بئر الملكة هيلانة رحلة إلى عالم خفي تحت القدس القديمة حيث تختلط الروحانية بعبق التاريخ

بئر الملكة هيلانة، مهما طال مكوث المواطن أو السائح في مدينة القدس لا تنتهي دهشته ولا يفتر انبهاره مع استمرار اكتشافه لأماكن أثرية جديدة تروي حكايات أمم مرت على هذه المدينة العريقة بينما تحتضن البلدة القديمة آثارا فوق الأرض وتحتها وتأخذ زائرها في رحلة إلى عالم من العجائب.

قصة بئر الملكة هيلانة

وتعد بئر الملكة هيلانة واحدة من أهم الظواهر الطبيعية الأثرية في القدس القديمة حيث تقع في باطن الأرض أسفل بطريركية الأقباط الأرثوذكس بينما يقف الزائر عند المرحلة التاسعة من مراحل درب الآلام في المكان الذي سقط فيه المسيح عليه السلام على الأرض وهو يحمل الصليب للمرة الثالثة قبيل دخوله كنيسة القيامة حسب المعتقد المسيحي فيقف السياح طويلا يؤدون التراتيل الدينية وهم يحملون الصليب ثم يكملون مسيرة الآلام باتجاه الكنيسة بينما يدخل البعض منهم إلى كنيسة الملكة هيلانة الواقعة على يمينهم ويندهشون من وجود سلالم ضيقة جدا تقود إلى بئر كبيرة تجتمع فيها مياه الأمطار منذ قرون طويلة.

وترتبط هذه البئر بالملكة هيلانة التي ولدت لأبوين مسيحيين عام مئتين وسبعة وأربعين ميلادية وكان لها تأثير كبير في اعتناق ابنها الإمبراطور قسطنطين الكبير للديانة المسيحية وفي انتقال الإمبراطورية الرومانية إلى اعتناقها أيضا.

وجاءت الملكة هيلانة إلى الأراضي المقدسة في فترة حكمها وبنت عددا كبيرا من الكنائس والأديرة أشهرها كنيسة القيامة التي ارتبط إنشاؤها بالبئر ووفق رواية الأب ميصائيل الأورشليمي من دير الأقباط الأرثوذكس في القدس اكتشفت الملكة الصليب وقبر المسيح عيسى عليه السلام وقررت بناء كنيسة القيامة بينما كانت المنطقة في ذلك الوقت جبلا صخريا يخلو من مصادر الماء وكان العمال يذهبون إلى واد تتجمع فيه مياه الأمطار في منطقة جبل الزيتون لجلب الماء لإتمام البناء.

وتشير روايات المخطوطات القديمة إلى أن ملاكا ظهر للملكة هيلانة ودلها على بئر حفرها الإمبراطور الروماني هادريان لكنها طمرت بفعل الحروب فأمرت عمالها وجنودها بإزالة الركام واكتشاف البئر وترميمها واستخدام مياه الأمطار المخزنة فيها في بناء كنيسة القيامة عام ثلاث مئة وخمس وثلاثين ميلادية.

ولا يتوقع الزائر أن الممر الرئيسي في الكنيسة سيقوده إلى عالم روحاني أسفل الأرض إذ يسلك طريقا شديد الانحدار بينما يحني ظهره وتصعد به السلالم الضيقة التي لا تتسع لشخصين وتصل به إلى تجمع كبير لمياه الأمطار يشبه بركة أكثر مما يشبه بئرا ويلاحظ الزائر فورا صدى الصوت المختلف في المكان مما يمنحه أجواء روحانية مؤثرة أثناء ترتيل الألحان والترانيم حتى أصبحت البئر مقصدا لعشاق الجوقات الموسيقية والتراتيل الدينية.

ويتميز المكان برطوبة عالية وأجواء لطيفة حتى في الصيف وذلك بفضل الجدران القديمة السميكة التي تحيط بالمنطقة الصخرية ولأن المكان مغلق وليس به إلا فتحة دائرية في المنتصف تتساقط عبرها مياه الأمطار بينما كان السكان قديما يستخدمون المياه للشرب ويتعاونون على تنظيف البئر كل صيف استعدادا للموسم الجديد لكنهم توقفوا عن شرب ماء البئر منذ خمسين عاما بسبب إهماله حتى أصبح غير صالح للشرب.

ويقف السائح القبطي جمال شكري القادم من القاهرة أمام البئر مبهورا وهو يراقب قطرات الماء المتساقطة من الأعلى وارتطامها بالسطح مكونة حلقات دائرية جميلة بينما تعزف سيمفونية طبيعية تضفي على المكان رهبة وروعة ويعبر عن فخره بأن الكنيسة القبطية ما زالت تحافظ على هذه الآثار من الاندثار.

ويشير الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية إلى أن الجزء الأكبر من البناء القائم فوق بئر الملكة هيلانة يعود للفترتين الصليبية والبيزنطية وبعد الفتح الأيوبي قام القائد صلاح الدين الأيوبي بتسليم الوقف للأقباط الأرثوذكس وما زال بحوزتهم حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى