المنصورة.. المدينة التي أسرت ملك فرنسا وكتبت اسمها في سجل الانتصارات الخالدة
حين يذكر التاريخ المدن التي صنعت المجد بدماء أبنائها وشجاعتهم، تتصدر المنصورة المشهد بوصفها واحدة من أعظم مدن مصر وأكثرها ارتباطا بالبطولات والأحداث الفارقة، فهي المدينة التي شهدت أسر ملك فرنسا، والمدينة التي سطرت واحدة من أعظم المعارك الجوية في حرب أكتوبر، كما أنها أنجبت نخبة من كبار العلماء والمفكرين والفنانين الذين أثروا الحياة المصرية والعربية.
تاريخ المنصورة
تقع المنصورة في شرق دلتا مصر، وتعد عاصمة محافظة الدقهلية وثاني أكبر مدن الدلتا، وتبعد نحو 120 كيلومترا عن القاهرة، وتمثل المدينة مركزا حضاريا وتاريخيا مهما يجمع بين عبق الماضي وحيوية الحاضر.
قبل ظهور المنصورة بصورتها الحالية، كانت المنطقة جزءا من الإقليم الخامس عشر في مصر القديمة، وشكلت مركزا حضاريا مهما عبر العصور المختلفة، وتنتشر في محيطها العديد من المواقع الأثرية الشهيرة، مثل تل الربع وتل تمي الأمديد وتل البلامون وتل المقدام، وهي مواقع كشفت عن آثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ والعصر الفرعوني وعصر الرعامسة والعصرين اليوناني والروماني.
وفي عام 616 هجرية الموافق 1219 ميلادية، أسس الملك الكامل محمد بن العادل الأيوبي مدينة المنصورة لتكون قاعدة دفاعية في مواجهة الحملات الصليبية التي كانت تهدد مصر آنذاك، وعرفت المدينة في بداياتها باسم جزيرة الورد، لأنها كانت محاطة بالمياه من ثلاث جهات، كما اشتهرت بحدائق الورد الواسعة التي زينت أرجاءها.
ويذكر المؤيد عماد الدين في كتاب الانتصار عن تقويم البلدان أن الملك الكامل أنشأ المنصورة بعدما اقترب الصليبيون من دمياط، فأراد إقامة مدينة قوية تتصدى للخطر القادم من الشمال، كما أشار المؤرخ ابن دقماق إلى أن المدينة كانت عامرة بالأسواق والحمامات والمنشآت المختلفة، وتقع على الضفة الشرقية للنيل بالقرب من طلخا.
وأكد المقريزي هذه الروايات، موضحا أن الملك الكامل أقام قصرا كبيرا في المنصورة واتخذه مقرا له ولجنوده، ثم توسعت المدينة سريعا وشهدت حركة عمرانية كبيرة شملت المساجد والأسواق والحمامات والمباني العامة.
وجاء اسم المنصورة تخليدا للنصر التاريخي الذي حققه المصريون في مواجهة الحملة الصليبية السابعة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع، حين حاول احتلال مصر والسيطرة عليها، وبعد أن استولى الصليبيون على دمياط، تقدم لويس التاسع بجيشه نحو المنصورة معتقدا أن الطريق أصبح مفتوحا أمامه.
لكن أهل المنصورة قدموا نموذجا فريدا في المقاومة والذكاء العسكري، فقد أغلقوا الأبواب وخلت الشوارع من الحركة، فظن الصليبيون أن المدينة استسلمت أو فر أهلها منها، وما إن توغل الجنود داخل الأزقة حتى فوجئوا بهجوم كاسح من الأهالي الذين خرجوا من كل مكان يدافعون عن مدينتهم بكل ما امتلكوه من وسائل.
شارك الرجال والنساء والشيوخ والشباب في المعركة، وتحولت أسطح المنازل إلى مواقع مقاومة أمطرت القوات الصليبية بالحجارة وكل ما يمكن استخدامه في القتال، وأدى هذا الهجوم المفاجئ إلى انهيار صفوف الصليبيين وانكسار معنوياتهم.
وانتهت المعركة بأسر لويس التاسع ملك فرنسا، ليقضي فترة من الزمن داخل دار ابن لقمان في المنصورة، قبل أن يطلق سراحه مقابل فدية كبيرة، وتحولت تلك الواقعة إلى واحدة من أشهر صفحات التاريخ المصري، وظلت دار ابن لقمان شاهدة على هذا الانتصار العظيم حتى يومنا هذا.
ولا تزال العبارة الشهيرة التي رددها المصريون آنذاك حاضرة في الذاكرة التاريخية:
قل لهم إن أضمروا عودة لأخذ ثأر أو لقصد قبيح
دار ابن لقمان على حالها
والقيد باق والطواشي صبيح
وتحولت دار ابن لقمان إلى متحف تاريخي يضم وثائق وصورا ولوحات ومقتنيات تروي تفاصيل تلك المعركة التي غيرت مجرى الأحداث في المنطقة.
ولم تتوقف بطولات أبناء المنصورة عند العصور الوسطى، بل تواصلت خلال العصر الحديث، فعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر برز اسم المناضل حسن طوبار الذي وقف في مواجهة الفرنسيين وحفز المصريين على المقاومة، ورفض كل محاولات الإغراء التي عرضها المحتل لاستمالته.
وتنسب إليه العبارة الشهيرة:
لا جميل القول يغرينا
ولا رنين المال يطوينا
ولا وعيد القوم يفنينا
وفي العصر الحديث سجلت المنصورة صفحة جديدة من صفحات المجد خلال حرب أكتوبر 1973، عندما شهدت سماؤها واحدة من أكبر المعارك الجوية في التاريخ العسكري الحديث، ففي الرابع عشر من أكتوبر دارت معركة المنصورة الجوية بين القوات الجوية المصرية والطائرات الإسرائيلية، وتمكن الطيارون المصريون من تحقيق إنجاز عسكري كبير أكد كفاءة القوات المسلحة المصرية وشجاعة أبنائها.
وعلى الصعيد الحضاري والديني، تضم المنصورة مجموعة كبيرة من المساجد التاريخية التي تعود إلى عصور إسلامية مختلفة، ومن أشهرها مسجد الموافي، ومسجد الصالح أيوب، ومسجد المحمودية، ومسجد النجار، ومسجد سيدي حالة، ومسجد سيدي سعد، ومسجد الشيخ إدريس الحناوي، ومسجد الغمري، إلى جانب عشرات المساجد الأخرى التي تعكس عمق التراث الإسلامي في المدينة.
كما تحتضن محافظة الدقهلية دير القديسة دميانة، أحد أهم المزارات الدينية في مصر، والذي يضم عددا من الكنائس التاريخية التي يقصدها الزوار من مختلف أنحاء البلاد.
ولم تقتصر شهرة المنصورة على التاريخ والبطولات، بل امتدت إلى مجالات العلم والفكر والفن، فمن أرض الدقهلية خرج إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، والمنشد الكبير سيد النقشبندي، وشيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق، ورائد النهضة الإدارية علي مبارك.
كما أنجبت الدقهلية كوكب الشرق أم كلثوم، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، والزعيم عادل إمام، والموسيقار رياض السنباطي، والفنان يحيى الفخراني، والفنان كمال الشناوي، والفنانة صفاء أبو السعود.
ومن أبنائها أيضا النحات الكبير محمود مختار، والأديب أحمد حسن الزيات، والصحفي محمد التابعي، وعالم الفضاء فاروق الباز، وغيرهم من الشخصيات التي تركت بصمة بارزة في تاريخ مصر الحديث.
لهذا كله تبقى المنصورة مدينة استثنائية، جمعت بين التاريخ والبطولة والعلم والفن، واحتفظت بمكانتها كواحدة من أجمل مدن مصر وأكثرها ثراء بالقصص والأحداث والرموز الوطنية التي صنعت جزءا مهما من ذاكرة الوطن.



