طلعت حرب.. الرجل الذي قرر أن يبني اقتصادًا مصريًا بأفكار سبقت عصره
أسماء صبحي – في تاريخ مصر الحديث توجد شخصيات ارتبطت بالسياسة وأخرى ارتبطت بالفن. لكن قليلين هم من ارتبطت أسماؤهم بفكرة كاملة غيرت المجتمع. ومن بين هؤلاء يبرز اسم طلعت حرب الرجل الذي لم يكتفي بالكتابة عن الاستقلال الاقتصادي. بل حاول تحويل الفكرة إلى مؤسسات ومشروعات ما زال أثرها حاضرًا حتى اليوم.
لم يكن حرب صاحب منصب سياسي كبير، ولم يقد ثورة بالمعنى التقليدي. لكنه آمن أن استقلال الدول لا يكتمل من دون اقتصاد قوي يملكه أبناؤها.
بدايات طلعت حرب
ولد طلعت حرب عام 1867 في القاهرة خلال فترة كانت مصر تمر فيها بتحولات سياسية واقتصادية كبيرة. وتلقى تعليمه ثم درس الحقوق وعمل في مجالات قانونية وإدارية مختلفة. وهو ما منحه فرصة لفهم آليات الاقتصاد والإدارة والعلاقة بين رأس المال والتنمية. ومع مرور الوقت بدأ يطرح سؤالًا كان يبدو جريئًا في ذلك الزمن لماذا لا تمتلك مصر مؤسساتها الاقتصادية الكبرى؟.
فكرة الاستقلال الاقتصادي
في بداية القرن العشرين كانت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي تحت تأثير رؤوس أموال أجنبية. ورأى حرب أن النهضة لا تبدأ فقط من السياسة، بل من بناء مؤسسات وطنية قادرة على خلق فرص عمل وتحريك السوق. وكتب ودافع عن فكرة الاقتصاد الوطني واعتبر أن إنشاء شركات مصرية قوية يمكن أن يغير الواقع أكثر من الشعارات. وكانت هذه الرؤية جديدة نسبيًا في ذلك الوقت.
بنك مصر
في عام 1920 أطلق حرب المشروع الأشهر في حياته بنك مصر. لكن البنك لم يكن مجرد مؤسسة مالية بل نقطة انطلاق لمجموعة من الشركات التي امتدت إلى مجالات متعددة. وظهرت شركات تعمل في الصناعة والنقل والتأمين والطباعة والتجارة، وبدأت تتشكل شبكة اقتصادية تحمل فكرة الإنتاج المحلي. وهكذا تحول البنك إلى نموذج مختلف عن المفهوم التقليدي للمؤسسات المالية.
من الاقتصاد إلى السينما والصناعة
من الجوانب الأقل شهرة في تجربة حرب أنه لم ينظر للاقتصاد بشكل ضيق. ودعم مشروعات في مجالات عديدة وكان من بين المجالات التي ارتبط اسمه بها دعم صناعة السينما المصرية وإنشاء مؤسسات ساهمت في تطور الإنتاج الثقافي. وكان يرى أن التنمية ليست أرقامًا فقط بل تشمل الصناعة والثقافة وفرص العمل.
لماذا بقي اسمه حاضرًا حتى اليوم؟
رغم مرور عقود طويلة على رحيله عام 1941، ما زال اسم طلعت حرب حاضرًا في الشوارع والمؤسسات والكتب الاقتصادية. والسبب لا يرتبط فقط بالمشروعات التي أسسها، بل بفكرة أن التنمية تحتاج إلى بناء مؤسسات طويلة العمر. وفي كل مرة يطرح فيها سؤال حول الاقتصاد الوطني أو دعم الصناعة المحلية، يعود اسمه باعتباره أحد أبرز من حاولوا تحويل الفكرة إلى واقع.
رجل ترك مشروعًا أكبر من سيرته
ربما لم يكن طلعت حرب أكثر الشخصيات ظهورًا في المشهد السياسي لكنه كان من الشخصيات التي تركت أثرًا ملموسًا. فبين الأوراق والأفكار والبنوك والشركات، كتب فصلًا مهمًا من تاريخ مصر الحديث. وأثبت أن بعض الشخصيات لا تقاس بما قالته فقط بل بما تركته قائمًا بعد رحيلها.



