كتابنا
-
علاء عبدالله يكتب: عودوا إلى القرآن.. قبل أن يبتلع الضياع ما تبقى من أمتنا في زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتتشابك فيه الفتاوى، وتتنافس فيه الروايات على عقول الناس وقلوبهم، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: أين القرآن من حياتنا اليوم؟ وهل ما زال حاضرًا كما أراده الله كتاب هداية ومنهج حياة ودستورًا للإنسان، أم تحول عند كثيرين إلى مجرد نص يتلى في المناسبات بينما غابت رسالته عن واقع الأمة وسلوكها ومسيرتها؟ هذا السؤال الجوهري هو ما أعاد طرحه المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “القرآن رسالة الديان”، وهو طرح لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رؤية فكرية أو اجتهادًا دينيًا عابرًا، بل هو صرخة فكرية وروحية مدوية تدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بكتاب الله، والبحث من جديد عن النور الذي أخرج أمة كاملة من الظلمات إلى النور، وصنع واحدة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية. لقد نجح الشرفاء في أن يضع يده على جرح عميق تعاني منه الأمة منذ عقود طويلة وربما منذ قرون، فالمشكلة في رأيه لا تكمن في غياب التدين أو ضعف المظاهر الدينية، بل في ابتعاد المسلمين تدريجيًا عن المصدر الأول للهداية وهو القرآن الكريم، وانشغالهم بصراعات فكرية ومذهبية لا تنتهي حتى أصبح النص الإلهي الذي نزل رحمة للعالمين غريبًا في حياة كثير من الناس. والحقيقة أن المتأمل في واقع العالم الإسلامي اليوم لا يحتاج إلى كثير من الجهد حتى يكتشف حجم الأزمة، فأمة تمتلك كتابًا يفيض بالقيم الإنسانية والرحمة والعدل والسلام، لكنها تعيش في كثير من مناطقها حالة من الانقسام والصراع والتنازع، وهنا تبرز أهمية السؤال الذي يطرحه الشرفاء: ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية أننا ابتعدنا عن جوهر الرسالة وانشغلنا بما هو دونها؟ منذ السطور الأولى لمقاله يؤكد الشرفاء أن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب ديني ضمن كتب كثيرة، بل هو الرسالة الإلهية الكاملة التي أنزلها الله لهداية الإنسان، ولذلك يستند إلى الآيات القرآنية التي تؤكد أن مهمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كانت البلاغ والإنذار والتبشير، وأن القرآن جاء نورًا ورحمة وذكرى للمؤمنين. وتمثل هذه الفكرة جوهر المشروع الفكري الذي يطرحه الشرفاء منذ سنوات، والقائم على إعادة مركزية القرآن في حياة المسلمين، وإعادة بناء العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه من خلال كتاب الله بعيدًا عن التعقيدات التي تراكمت عبر العصور، ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في المقال هو تلك اللغة المشبعة بالإحساس بالخطر، فالشرفاء لا يتحدث عن قضية فكرية مجردة بل يتعامل مع الأمر باعتباره قضية مصير أمة بأكملها، لذلك تأتي عباراته محملة بالتحذير والألم والرجاء في آن واحد، فهو يرى أن الإنسان حين يبتعد عن نور الوحي يفقد البوصلة التي تهديه إلى الحق ويصبح أكثر عرضة للتيه والانقسام والخوف والاضطراب. ومن هنا يستحضر الآية الكريمة: “وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا”، لتتحول الآية في سياق المقال إلى شهادة مؤلمة على واقع تعيشه الأمة منذ زمن طويل، فالهجر هنا ليس مجرد ترك التلاوة بل هجر الفهم والتدبر والعمل والاحتكام إلى القيم القرآنية في مختلف مجالات الحياة. ويبلغ المقال ذروة قوته عندما يؤكد الشرفاء أن القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله، وأن الرسول الكريم لم يكن إلا مبلغًا أمينًا للوحي مستشهدًا بالآيات التي تؤكد عصمة الرسالة الإلهية من الزيادة أو النقصان، ومن هذا المنطلق يبني رؤيته الداعية إلى العودة إلى النص القرآني بوصفه المرجعية الأولى التي ينبغي أن تنطلق منها عملية الإصلاح الديني والفكري. وفي تقديري، فإن أهم ما يميز هذا الطرح هو أنه لا يتوقف عند حدود النقد أو التشخيص بل يقدم بديلًا واضحًا ومباشرًا يتمثل في العودة إلى القرآن باعتباره مصدر الهداية والرحمة والطمأنينة، فالمقال لا يكتفي بوصف الأزمة وإنما يحاول رسم طريق للخروج منها. ويتجلى ذلك بوضوح في حديث الشرفاء عن مفهوم الهداية حين يستحضر الوعد الإلهي العظيم: “فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى”، فالهداية هنا ليست مجرد مفهوم ديني نظري، بل هي مشروع متكامل لبناء إنسان متوازن يعرف غايته من الحياة ويستطيع مواجهة تحدياتها بقلب مطمئن وعقل مستنير. وفي المقابل، يضع الكاتب أمام القارئ الصورة الأخرى المتمثلة في الإعراض عن ذكر الله وما يترتب عليه من ضيق واضطراب وشقاء نفسي وروحي مستشهدًا بقوله تعالى: “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا”، وهنا تتحول الآيات إلى مرآة يرى فيها الإنسان واقعه ويعيد تقييم علاقته بربه وبكتابه. كما ينجح الشرفاء في توظيف المشاهد القرآنية المؤثرة التي تتحدث عن يوم القيامة وعن الندم الذي يعيشه الإنسان حين يكتشف أنه سار خلف أشخاص أو أفكار أبعدته عن طريق الحق، وتضيف هذه المشاهد إلى المقال بعدًا وجدانيًا عميقًا يجعل القارئ يعيش حالة من التأمل والمراجعة الذاتية. ومن الجوانب اللافتة أيضًا دعوته إلى إعادة اكتشاف المعنى الحقيقي لليلة القدر ليس باعتبارها مناسبة موسمية تتكرر كل عام، وإنما باعتبارها ذكرى نزول القرآن الحدث الأعظم الذي غيّر مسار التاريخ الإنساني، فالقيمة الحقيقية لهذه الليلة كما يفهم من المقال، تكمن في إعادة الاتصال برسالة القرآن نفسها وليس الاكتفاء بالمظاهر والطقوس. وربما يكون أجمل ما في هذا الطرح أنه لا يغلق أبواب الأمل مهما بلغت درجة الابتعاد أو التقصير، فالمقال رغم نبرته التحذيرية ينتهي إلى مساحة واسعة من الرحمة والتوبة والعودة إلى الله، ولذلك يستحضر قوله تعالى: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب”، ليؤكد أن باب العودة سيظل مفتوحًا أمام كل من يبحث عن النور بصدق وإخلاص. إن الرسالة الأساسية التي أراد علي الشرفاء الحمادي إيصالها تبدو واضحة ومباشرة: لا سبيل إلى نهضة حقيقية دون العودة إلى القرآن بوصفه مصدر الهداية الأول، فالأمة التي صنعت مجدها حين تمسكت بكتاب الله لا يمكن أن تستعيد دورها الحضاري وهي بعيدة عنه أو منشغلة بما سواه. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي طرحه المقال حاضرًا بقوة أمام كل واحد منا: هل ما زال القرآن حاضرًا في حياتنا كما أراده الله؟ أم أننا سمحنا لضجيج الحياة والخلافات والروايات أن يحجب عنا النور الذي أنزله الله رحمة للعالمين؟ إنه سؤال لا يحتاج إلى إجابة نظرية بقدر ما يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس، ومراجعة حقيقية للعلاقة مع كتاب الله قبل أن يبتلع الضياع ما تبقى من أمتنا.
في زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتتشابك فيه الفتاوى، وتتنافس فيه الروايات على عقول الناس وقلوبهم، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: أين…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: حين يتحول الدين من طقوس موروثة إلى مشروع أخلاقي لبناء الإنسان
في خضم التحولات الفكرية والثقافية التي يشهدها العالم العربي، تتجدد بين الحين والآخر دعوات تدعو إلى إعادة قراءة المفاهيم الدينية…
أكمل القراءة » -
علي محمد الشرفاء يكتب: الصَّلاةُ عَلى النَّبيِ
رُوي عن عمر بن الخطاب أنّه قال رسول الله (مّن صلّى عليَّ صلاةً واحدةً صلّى اللهُ عليه بها عَشراً ) رَواه…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: الأمن القومي العربي.. هل حان وقت الانتقال من الشعارات إلى قرارات البقاء؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتصاعد فيها التوترات الدولية وتتسارع التحولات الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة، يعود سؤال الأمن القومي العربي…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: من قلب البرلمان النمساوي.. رسالة سلام عربية تعيد تقديم الفكر التنويري إلى أوروبا
في زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية وتزداد فيه الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب بفعل الصراعات السياسية والتوظيف الخاطئ للدين، تبدو…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: من فيينا تبدأ معركة الوعي.. لماذا يحتاج العالم اليوم إلى الفكر التنويري للمفكر والدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي؟
في وقت تتزايد فيه الأزمات الاجتماعية وتتراجع فيه قيم التماسك الأسري أمام موجات العنف والتفكك والصراعات الفكرية، تبدو أي محاولة…
أكمل القراءة » -
لواء دكتور سمير فرج يكتب: مضيق هرمز بعد عودة ترامب من الصين؟
لواء دكتور/ سمير فرج يكتب: مضيق هرمز بعد عودة ترامب من الصين؟ عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من زيارته إلى…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: من اليونسكو إلى العالم.. لماذا يفرض الفكر العربي المستنير حضوره اليوم؟
في لحظة يزداد فيها العالم اضطرابًا وتتسع فيها مساحات الصراع والكراهية والانقسام، يصبح ظهور أي مشروع فكري يدعو إلى السلام…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية”.. حين يتحول الحوار الديني إلى جسر للسلام العالمي
في زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية والانقسام، وتزداد فيه النزاعات التي تغذيها التفسيرات المتشددة والصراعات الدينية والسياسية، تبرز بعض المبادرات…
أكمل القراءة » -
علاء عبدالله يكتب: الحج في القرآن الكريم.. قراءة في دعوة الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي للعودة إلى النص الإلهي
يطرح الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “الحج في القرآن الكريم.. دعوة إلى التدبر والاتباع” رؤية قائمة على التأكيد…
أكمل القراءة »