تاريخ ومزارات

المسجد اليعقوبي في القدس.. من كنيسة صليبية إلى معلم إسلامي خالد في قلب البلدة القديمة

يعد المسجد اليعقوبي من أبرز المعالم الإسلامية الأثرية في البلدة القديمة بالقدس الشريف، إذ يمتد تاريخه لأكثر من تسعة قرون، ليحكي قصة تحولٍ حضاري وديني يعكس عراقة المدينة وقدسيتها، شيد في القرن الثاني عشر الميلادي ككنيسة صليبية، قبل أن يتحول إلى زاوية صوفية في القرن الخامس عشر، ثم إلى مسجد تقام فيه الصلوات الخمس حتى يومنا هذا.

موقع استراتيجي في قلب القدس

يقع المسجد في حارة العسلية بمنطقة باب الخليل، إلى الشرق من ساحة عمر بن الخطاب، ويقابل قلعة القدس التاريخي، ويجاوره من الناحية الغربية كنيسة بروتستانتية تعود إلى القرن التاسع عشر، كما تحيط به منازل قديمة تسكنها عائلات من السريان والبروتستانت واللاتين والأرمن، مما يعكس التنوع الديني والثقافي الذي يميز القدس القديمة.

كما يوجد قبالة المسجد فندق صغير في منزل أثري يحمل اسم “تسيون باشا”، مما يضيف إلى المنطقة طابعها التاريخي المميز، ويُذكر أن المسجد جدد بناؤه في عهد السلطان قلاوون سنة 686هـ / 1287م، وهو ما أكد على اهتمام الدولة المملوكية بإحياء المراكز الدينية في القدس.

من كنيسة إلى زاوية صوفية ثم مسجد

يعود تاريخ المبنى إلى الفترة الصليبية في القرن الثاني عشر، حين كان كنيسة صليبية، قبل أن تحول إلى زاوية صوفية في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) في زمن صلاح الدين الأيوبي، وحملت اسم الشيخ يعقوب العجمي، الذي كان أحد العلماء والعارفين الصوفيين في القدس.

بعد وفاة الشيخ يعقوب، تفرق مريدوه وأهملت الزاوية حتى تحولت إلى خراب، قبل أن تجدد وتعمر في العهد العثماني، لتستعيد دورها الديني والاجتماعي، كما عرفت بأسماء أخرى مثل زاوية الشيخ شمس الدين البغدادي، وهو أحد العدول المعروفين في القدس، وأيضًا مسجد العسلي نسبة إلى حارة العسلية التي تضم عددًا من العائلات المقدسية العريقة التي برز منها العلماء والتجار والجنود.

معمار المسجد اليعقوبي

يتجه مبنى المسجد من الغرب إلى الشرق، وكانت الحنية الصليبية في جهته الشرقية، قبل أن يتم إزالتها واستبدالها بالمحراب الإسلامي في منتصف الجدار الجنوبي عند تحويله إلى مسجد، يتميز البناء بطابعه المعماري القديم من الحجر المقدسي وبسقفه المقوس وجدرانه المتينة التي تحمل بصمات العصور التي مر بها.

مراحل الترميم والتاريخ الحديث

تعرض المسجد للإهمال فترات طويلة، مما أدى إلى تدهور حالته، وفي الأربعينيات من القرن العشرين تم ترميمه جزئيًا، ثم في عام 1966 طالبت دائرة أوقاف القدس بربطه بالكهرباء وتحويله إلى مدرسة ليلية لمحو الأمية.

وبعد حرب عام 1967، صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي البيوت المحيطة به من سكانها العرب، ما زاد من عزلة المسجد، وفي عام 1988 خضع المسجد لترميم شامل بإشراف إدارة أوقاف القدس التي عينت مشرفًا دائمًا عليه، ومنذ ذلك الحين فُتح لإقامة الصلوات الخمس بانتظام.

رمزية المسجد اليعقوبي

يعد المسجد اليعقوبي شاهدًا حيًا على تاريخ القدس الديني والروحي، وعلى مراحل تحولها من الحقبة الصليبية إلى الإسلامية، ويجسد قدرة الفلسطينيين والمسلمين على الحفاظ على هويتهم المقدسية رغم محاولات الاحتلال طمس معالمها، كما يمثل رمزًا للثبات والصمود، ومعلمًا من معالم التراث الإسلامي في البلدة القديمة التي صادرت إسرائيل بيوتها وأراضيها منذ عام 1967.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى