قبائل و عائلات

ديار جذام.. من مدين إلى حسمى وإرم وكيف امتد نفوذ القبيلة من شمال الجزيرة إلى مصر والأندلس

تعد قبيلة جذام واحدة من أعرق القبائل العربية القحطانية التي ارتبط تاريخها بهجرات العرب الكبرى من اليمن إلى شمال الجزيرة العربية، وتشير روايات النسابين إلى أن جذام استقرت في البداية بمدينة مدين الواقعة على ساحل البحر الأحمر في أقصى شمال غرب الجزيرة العربية، وذلك بعد أن آلت ولاية المنطقة إلى أبناء كهلان بن سبأ، الذي كان يتولى حماية الثغور والأطراف بينما بقيت إدارة الملك في يد أخيه حمير، وبمرور الزمن انتقلت ولاية مدين إلى عمرو بن الحارث الملقب بجذام، ثم إلى أبنائه وأحفاده الذين حافظوا على نفوذهم في المنطقة لسنوات طويلة، كما تذكر بعض الروايات أن النبي شعيب عليه السلام ينتسب إلى أهل مدين، إلا أن هذا النسب لم يثبت بدليل تاريخي قاطع لدى جمهور المؤرخين.

ما هي ديار جذام

واكتسبت مدين أهمية كبيرة بفضل موقعها الاستراتيجي على طريق التجارة القديم الذي ربط اليمن والحجاز بالشام ومصر، فأصبحت محطة رئيسية للقوافل التجارية، واشتهرت ببئر مدين التي ارتبط اسمها فيما بعد بقصة سيدنا موسى عليه السلام، ثم عرفت لاحقًا باسم بئر موسى، كما أطلق على المنطقة اسم مغاير شعيب قبل أن يستقر اسمها الحديث على البدع الواقعة في منطقة تبوك بالمملكة العربية السعودية، ولا تزال آثار المنطقة شاهدة على مكانتها التاريخية، وقد أدرجت بعض مواقعها ضمن المواقع الأثرية المهمة التي تعكس حضارات شمال غرب الجزيرة العربية.

وبعد الانهيار الكامل لسد مأرب في القرن السادس الميلادي وما صاحبه من اضطرابات سياسية واقتصادية وهيمنة الأحباش على اليمن، بدأت موجات الهجرة الكبرى للقبائل القحطانية نحو الشمال، وكانت جذام من أبرز هذه القبائل، إذ مرت بعدة محطات قبل أن تستقر في جبال حسمى، وهي منطقة تمتاز بطبيعتها الجبلية الوعرة وتربتها الحمراء، وقد وصفها الجغرافيون القدماء بأنها من أكثر مناطق الجزيرة العربية تميزًا، حتى إن جبالها الشاهقة كانت تُرى من مسافات بعيدة وتعرف بسهولة بين سائر جبال البادية، كما ورد اسم حسمى في عدد من الروايات التاريخية والأحاديث التي تناولت أحداث آخر الزمان وديار قبيلة جذام.

وأصبحت حسمى مع ظهور الإسلام الموطن الرئيسي لجذام، وامتدت ديار القبيلة لتشمل مناطق ذات السلاسل وغزة ومعان وكراع ربه وعراد وغيرها من المواقع الواقعة بين الحجاز وبلاد الشام، ومن أشهر رجالها فروة بن عمرو الجذامي الذي كان واليًا للروم على معان، ثم أعلن إسلامه في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليه الهدايا ورسالة يعلن فيها دخوله الإسلام، وعندما علم الروم بذلك اعتقلوه وخيروه بين الرجوع عن دينه أو القتل، فاختار الثبات حتى أعدم وصلب قرب بئر العفراء في فلسطين، ليصبح واحدًا من أوائل شهداء الإسلام خارج الجزيرة العربية، وقد حفظت المصادر التاريخية قصيدته التي أعلن فيها تمسكه بالإسلام قبل استشهاده.

ومن أبرز مواطن جذام أيضًا منطقة إرم الواقعة ضمن جبال حسمى، وهي اسم أطلق على واد وجبل اشتهرا في المصادر العربية القديمة، وامتدت ديار القبيلة من الشوبك وحسمى وتبوك وتيماء حتى الحريداء شرق الحجاز، كما وصلت إلى الكرك والأزلم، وكانت تتولى حماية الطريق الممتد بين المدينة المنورة وحدود غزة، وهو ما منحها مكانة عسكرية وتجارية مهمة في تلك الفترة، وقد ورد ذكر هذه الديار في مؤلفات عدد من علماء الأنساب والجغرافيين، وفي مقدمتهم الحمداني الذي وثق انتشار القبيلة وحدود مواطنها.

ومع اتساع الفتوحات الإسلامية تجاوز نفوذ جذام حدود شمال الجزيرة العربية، فاستقرت أعداد كبيرة من أبنائها في مصر وسيناء وفلسطين والأردن، ثم انتقل بعض بطونها إلى الأندلس واستقروا في مدن مثل شذونة وإشبيلية وتدمير والجزيرة، وأسهم أفراد القبيلة في الحياة العسكرية والإدارية للدولة الإسلامية، كما لعبوا دورًا بارزًا في حماية طرق التجارة والحج، ولا تزال بطون من جذام موجودة حتى اليوم في عدد من الدول العربية، ويعد وجودها في مصر من أكبر تجمعات القبيلة عبر التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى