علاء عبدالله يكتب: هل بدأ الابتعاد عن القرآن مبكرًا؟ قراءة في رؤية على محمد الشرفاء لأسباب ضياع الأمة
يقدم المفكر العربي الدكتور على محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “الانقلاب المبكر على القرآن وكيف ضاعت الأمة منذ اللحظة الأولى” رؤية فكرية ناقدة لمسار التاريخ الإسلامي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، منطلقًا من فكرة محورية تقوم على أن الأزمة لم تبدأ عند لحظة الضعف السياسي أو التراجع الحضاري، بل بدأت – بحسب طرحه – منذ اللحظة التي تم فيها تجاوز القرآن كمرجع حاكم لإدارة شؤون الأمة واستبداله بالاجتهادات البشرية والصراعات السياسية.
وينطلق المقال من تصور يعتبر أن الاختبار الحقيقي للمسلمين لم يكن في إعلان الانتماء للدين أو الحفاظ على المظاهر الدينية، وإنما في الالتزام بالمنهج القرآني كما أُنزل دون إضافة أو تقديم أي مرجعية أخرى عليه، ويرى الشرفاء أن القرآن جاء باعتباره الإطار المنظم للعلاقات والحقوق والواجبات، وأن الابتعاد عن هذا الإطار فتح الباب أمام تحولات تاريخية غيرت مسار الأمة.
ويشير المقال إلى أن الخلافات التي ظهرت بعد وفاة الرسول تحولت تدريجيًا – وفق رؤية الكاتب – من اختلافات سياسية إلى مواجهات وصراعات دامية داخل المجتمع الإسلامي، مستشهدًا بسلسلة من الأحداث التاريخية التي شهدت اغتيالات وصدامات بين أطراف كانت تنتمي إلى الجيل الأول من المسلمين، ومن خلال ذلك يحاول الشرفاء بناء فكرة أن التحول من المرجعية القرآنية إلى إدارة الواقع بمنطق القوة والسياسة أدى إلى تعميق الانقسامات.
كما يتوقف المقال أمام مفهوم الخلافة كما تم تقديمه تاريخيًا، ويطرح تساؤلًا نقديًا حول العلاقة بين نموذج الحكم الذي شهد نزاعات وحروبًا وبين المبادئ القرآنية التي تقوم على العدل وحرمة الدماء، ومن هذا المنطلق يحاول الشرفاء إعادة فتح النقاش حول الفارق بين النص الديني والممارسة السياسية التي تشكلت عبر التاريخ.
وفي جانب آخر من المقال يسلط الضوء على قضية قتال الممتنعين عن الزكاة باعتبارها – من وجهة نظره – محطة مفصلية في انتقال الدين من مساحة العلاقة الفردية بين الإنسان وربه إلى مساحة السلطة والإلزام، ويرى أن هذه اللحظة مثلت تأسيسًا لفهم جديد للدين ارتبط بإدارة المجتمع أكثر من ارتباطه بحرية الاختيار والمسؤولية الفردية.
ولا يتوقف المقال عند قراءة التاريخ السياسي فقط بل يمتد إلى نقد الواقع الديني المعاصر، حيث يرى الشرفاء أن المشكلة الأكبر لم تكن في غياب القرآن كنص حاضر، وإنما في تراجع حضوره كمنهج حياة وتشريع، ويطرح فكرة أن كثيرًا من المسلمين أبقوا على علاقة روحية وشعائرية مع القرآن، بينما تراجع دوره في تشكيل القيم والسلوك وإدارة الحياة العامة.
ويمضي المقال أبعد من ذلك حين يربط بين الابتعاد عن المنهج القرآني وبين حالة التراجع والانقسام التي تعيشها الأمة اليوم، معتبرًا أن التحولات التاريخية المتعاقبة وما تبعها من توسعات وصراعات داخلية ساهمت في إبعاد المجتمعات الإسلامية عن المقاصد الكبرى للدين المتمثلة في العدل والرحمة والطمأنينة.
وفي ختام رؤيته يطرح على محمد الشرفاء سؤالًا يعتبره جوهريًا: هل آن الأوان لإعادة الاعتبار للقرآن باعتباره المرجع الأول في حياة المسلمين؟ ويؤكد أن النص القرآني – بحسب طرحه – ما زال حاضرًا ومحفوظًا، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء العلاقة معه باعتباره مصدرًا للهداية ومنهجًا للحياة، لا الاكتفاء بحضوره الرمزي أو الطقوسي.



