كتابنا

علاء عبدالله يكتب: الشرفاء الحمادي و”بوصلة العرب”.. حين يبدأ السلام من إصلاح الإنسان لا من تغيير العالم

في زمن تتسارع فيه الصراعات وتتشابك فيه الأزمات السياسية والفكرية، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ليس كيف نغيّر العالم بل من أين نبدأ التغيير؟ ومن هذه النقطة تحديدًا تنطلق القراءة التي قدمها الإصدار الجديد من مجلة “بوصلة العرب”، والتي وضعت فكرة السلام العالمي داخل إطار مختلف؛ لا يبدأ من المعاهدات ولا من توازنات القوة، وإنما من مراجعة الإنسان لأفكاره أولًا.

الطرح الذي استعرضته المادة لم يتعامل مع “البوصلة” باعتبارها مجرد رمز للاتجاه، بل باعتبارها أداة للعودة إلى الأصل والبحث عن الطريق وسط ضوضاء المفاهيم والتفسيرات المتراكمة، وهنا تظهر رؤية مؤسسة رسالة السلام بقيادة المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي باعتبارها مشروعًا ينطلق من سؤال فكري قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا أو ثقافيًا.

الفكرة المركزية التي قامت عليها القراءة تبدو شديدة الوضوح: لا يمكن إنتاج واقع مختلف بأدوات التفكير نفسها التي صنعت الأزمات، ومن هنا جاء التأكيد على أن أي مشروع للنهضة أو السلام لا يبدأ من الخارج، وإنما من مراجعة البنية الفكرية التي تشكل وعي الإنسان وسلوكه وموقفه من الآخر.

الرسالة هنا لا تدعو إلى القطيعة مع التاريخ بقدر ما تدعو إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الأصل والاجتهاد، وبين النص والتأويل، وبين الدين كقيمة أخلاقية وبين الممارسات التي تراكمت عبر الزمن، وتوقفت القراءة عند فكرة إعادة اكتشاف الرسالة الإسلامية من خلال العودة إلى القرآن الكريم باعتباره النص المؤسس، مع الدعوة إلى تحرير الفهم من التراكمات التي قد تُنتج التباسًا أو تباعدًا عن المقاصد الكبرى.

وفي هذا السياق، تظهر مجموعة من القيم التي اعتبرتها المادة حجر الأساس لأي مشروع إنساني: الرحمة، والعدل، والحكمة، واحترام كرامة الإنسان وحرية الاختيار، وهنا لا يطرح الدين باعتباره أداة للهيمنة أو الإقصاء، بل باعتباره مساحة أخلاقية تساعد الإنسان على بناء علاقة أكثر توازنًا مع نفسه ومع العالم.

ولم تكتفي القراءة بالبقاء داخل الإطار النظري، بل انتقلت إلى تقديم التجربة الإندونيسية باعتبارها نموذجًا لتطبيق أفكار التعايش وتجديد الوعي على أرض الواقع، والرسالة التي تحملها هذه الإشارة أن نجاح الأفكار لا يُقاس بجمال صياغتها، وإنما بقدرتها على التحول إلى ممارسات يومية داخل المجتمع.

فحين يصبح التسامح ثقافة، ويصبح الاختلاف جزءًا من الحياة العامة، تبدأ الأفكار في إنتاج نتائج تتجاوز حدود الكتب والخطابات، وأحد الجوانب اللافتة في المادة هو الانتقال من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، عبر الإشارة إلى مؤتمرات الأخوة الإنسانية ومبادرات الحوار بين الشعوب.

ويقوم الطرح هنا على أن الأمن العالمي لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الأدوات السياسية، بل يحتاج إلى بناء جسور معرفية وثقافية تسمح للإنسان بأن يرى الآخر كشريك في المستقبل لا كخصم دائم، وهنا يتحول السلام من اتفاق سياسي إلى ثقافة طويلة المدى.

ربما كانت الفكرة الأكثر وضوحًا في نهاية الرحلة هي تلك المعادلة التي ربطت بين تصحيح الفكر وبناء الإنسان ثم تأسيس المؤسسات وصولًا إلى السلام، فلا يمكن لمؤسسات قوية أن تُبنى على وعي مضطرب، ولا يمكن لسلام مستدام أن يقوم دون عدالة ورحمة وحرية ومسؤولية.

وفي النهاية، تبدو الرسالة التي أرادت “بوصلة العرب” إيصالها واضحة: أن مستقبل الإنسان قد لا يبدأ من اكتشاف أدوات جديدة بقدر ما يبدأ من العودة إلى القيم البسيطة التي تمنحه القدرة على الاستمرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى