الطفل الجركسي الذي غير تاريخ مصر.. حكاية السلطان الأشرف قايتباي
في مطلع القرن التاسع الهجري، وعلى أرض الجراكسة، ولد طفل لم يتوقع أحد أن يصبح يوما واحدا من أعظم سلاطين دولة المماليك، حمل هذا الطفل اسم سيف الدين قايتباي، وولد سنة 815هـ الموافق 1412م، لتبدأ رحلة استثنائية نقلته من أسواق الرقيق إلى قمة السلطة في مصر.
حكاية السلطان الأشرف قايتباي
بدأت قصة قايتباي عندما اشتراه التاجر الخواجه محمود مقابل خمسة وعشرين دينارا، ثم انتقل إلى مصر حيث فتحت أمامه أبواب جديدة غيرت مسار حياته بالكامل، وبعد فترة التحق بخدمة السلطان الأشرف برسباي، ثم انتقل إلى خدمة السلطان الظاهر جقمق الذي لمس فيه الذكاء والكفاءة وحسن التدبير، فأعتقه وضمه إلى صفوف الجيش المملوكي.
لم يكن قايتباي مجرد مملوك بين آلاف المماليك، بل امتلك شخصية استثنائية جمعت بين الشجاعة العسكرية والدهاء السياسي وسرعة البديهة، لذلك واصل الصعود في المناصب العسكرية حتى وصل إلى منصب أتابك العسكر سنة 872هـ، وهو أعلى منصب عسكري في الدولة بعد السلطان.
وفي العام نفسه شهدت الدولة المملوكية اضطرابات وصراعات بين الأمراء، فتمرد المماليك على السلطان تمربغا اليوناني وعزلوه من الحكم، ثم اتفق كبار الأمراء على مبايعة قايتباي سلطانا على مصر، عندها حمل لقب الأشرف، وبدأ واحدة من أقوى وأطول فترات الحكم في أواخر العصر المملوكي.
استمر حكم الأشرف قايتباي نحو ثمانية عشر عاما، وواجه خلالها تحديات خطيرة هددت الدولة من الداخل والخارج، وكان أبرز هذه التحديات الصدام مع الدولة العثمانية التي واصلت توسعها الكبير بعد فتح القسطنطينية، لذلك أنفق قايتباي أموالا طائلة على تجهيز الجيوش وتقوية الحصون وتأمين الثغور، خاصة مدينة حلب التي مثلت خط الدفاع الأول عن بلاد الشام.
وخلال تلك الفترة وصلت إلى القاهرة رسائل استغاثة من أمراء غرناطة في الأندلس، طالبوا فيها السلطان بإرسال قوات عسكرية لمساعدتهم في مواجهة التقدم الإسباني إلا أن قايتباي اكتفى بإرسال رسائل تهديد وتحذير عبر الوسطاء، ولم يرسل جيشا لإنقاذ الأندلس، فاستمرت الأحداث حتى سقطت غرناطة وانتهى الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.
جمع الأشرف قايتباي بين صفات متعددة ومتباينة في الوقت نفسه، فقد عاش حياة بسيطة بعيدة عن الترف، حتى وصفه بعض المؤرخين بالبخل في نفقاته الشخصية، لكنه لم يتردد في إنفاق الأموال على الجيش أو تحصين الدولة أو دعم المشروعات العامة، كما أحب العلم والعلماء، ومال إلى التصوف، وامتلك شخصية حازمة في إدارة الدولة، وكان سريع الغضب أحيانا، لكنه سرعان ما يعود إلى هدوئه ويستمع إلى النصيحة ويقدر أصحاب الرأي الصادق.
ومن أبرز الشخصيات التي لمع نجمها في عهده الإمام زكريا الأنصاري، أحد كبار علماء الإسلام في ذلك العصر، وقد أصر السلطان على تعيينه قاضي القضاة، وأظهر له تقديرا كبيرا حتى قال له يوما: إن شئت نزلت أمشي أمامك حتى أوصلك إلى بيتك، وبعد أن تولى زكريا الأنصاري المنصب أصبح من أبرز المؤثرين في الحياة السياسية والقضائية، وظل يقدم النصيحة للسلطان بكل شجاعة وصراحة.
ولم تتوقف إنجازات قايتباي عند السياسة والحروب، بل ترك بصمة خالدة في العمارة الإسلامية، فعندما اندلع حريق كبير في المسجد النبوي سنة 886هـ وأتلف أجزاء واسعة منه، أمر بإعادة تعميره على نفقته الخاصة، واستمرت أعمال البناء حتى اكتملت بعد ثلاث سنوات، كما شيد قلعة قايتباي الشهيرة في الإسكندرية، وأنشأ عشرات المدارس والمساجد والأسبلة والقلاع في مصر والشام والقدس والحجاز، ولا يزال كثير منها قائما حتى اليوم شاهدا على ازدهار عهده.
وفي عام 901هـ الموافق 1496م رحل السلطان الأشرف قايتباي بعد أن حكم مصر قرابة عقدين من الزمن، وترك خلفه ثلاثة أبناء هم الناصر محمد والعزيز محمد والصالح محمد لكن أبناءه لم يمتلكوا الخبرة والقوة التي تمتع بها والدهم، لذلك بدأت الدولة المملوكية تفقد مكانتها تدريجيا.
ومع تعاقب السلاطين الضعفاء تراجع نفوذ المماليك عاما بعد عام، حتى تولى السلطان قانصوه الغوري الحكم سنة 1501م وحاول استعادة قوة الدولة وهيبتها لكن هزيمته في معركة مرج دابق سنة 1516م فتحت أبواب الشام أمام العثمانيين، ثم جاءت النهاية بعد عام واحد فقط عندما أعدم العثمانيون السلطان طومان باي على باب زويلة سنة 1517م، لتنتهي بذلك دولة المماليك التي حكمت مصر والشام أكثر من مئتين وخمسين عاما.
هكذا سطر الأشرف قايتباي اسمه بين أعظم حكام مصر في العصور الوسطى، بعدما بدأ حياته غلاما بيع في سوق الرقيق بخمسة وعشرين دينارا، ثم تحول إلى سلطان ترك وراءه إرثا سياسيا وعسكريا وعمرانيا ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.



