السر الذي أخفته جبال طيبة ثلاثة آلاف عام.. كيف عثر راع على ملوك مصر المفقودين؟

في أعماق جبال طيبة الغربية، حيث تتعانق الصخور الصامتة مع أسرار التاريخ، احتضن الوادي المقدس واحدة من أعظم الحكايات التي عرفتها الحضارة المصرية القديمة هناك، بعيدا عن صخب المدن وضجيج البشر، خبأت الجبال أسرارا ظلت حبيسة الظلام قرونا طويلة، وكأن الزمن نفسه تعهد بحراستها.
ما السر الذي أخفته جبال طيبة ثلاثة آلاف عام
بعد موجات متتالية من سرقة المقابر الملكية ونهب محتوياتها، أدرك ملوك الدولة الحديثة أن الأهرامات لم تعد توفر الحماية التي كانوا يحلمون بها بعد الموت، فالأهرامات الضخمة التي ارتفعت في الأفق مثل علامات واضحة للطامعين، تحولت مع مرور الزمن إلى أهداف سهلة للصوص الباحثين عن الذهب والكنوز.
لذلك اتخذ الملوك قرارا غير مسبوق بدلا من بناء مقابر شاهقة يراها الجميع، اختاروا أن يدفنوا أجسادهم داخل أحشاء الجبال، حفروا مقابر عميقة بين الصخور، وأخفوا مداخلها تحت الركام والرمال، أملا في أن تبقى بعيدة عن أعين اللصوص والمتطفلين.
وكان الملك تحتمس الأول أول من اختار هذا الطريق الجديد، فبدأ عصر المقابر الصخرية في المكان الذي عرف لاحقا باسم وادي الملوك، ذلك الوادي الذي تحول إلى أعظم مقبرة ملكية مفتوحة في تاريخ البشرية.
لكن الزمن أثبت أن حتى الجبال لا تستطيع حماية الأسرار إلى الأبد.
ومع نهاية عصر الرعامسة، دخلت مصر مرحلة من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، تأخرت أجور العمال، وانتشرت الأزمات، وظهرت الإضرابات في أماكن العمل، بينما تراجع مستوى الحماية في الوادي المقدس، واستغل اللصوص تلك الظروف الصعبة، فبدأوا يتسللون ليلا بين الجبال مثل الأشباح.
كانوا يكسرون الأبواب الحجرية، ويقتحمون الحجرات الجنائزية، ثم ينهبون ما يجدونه من ذهب ومجوهرات وتحف ثمينة، وبعد رحيلهم، كانت المومياوات الملكية تبقى في ظلام المقابر مجردة من زينتها، شاهدة على واحدة من أسوأ فترات النهب في تاريخ مصر القديمة.
أمام هذا الخطر المتزايد، تحرك كبار كهنة آمون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تابع الكهنة أخبار المقابر المنهوبة باهتمام شديد، وعندما يصلون إلى إحدى المقابر المتضررة كانوا يعيدون ترميم المومياوات بعناية كبيرة لفوا الأجساد الملكية بأقمشة كتان جديدة، وأصلحوا ما تهدم من توابيتها، ثم بدأوا تنفيذ مهمة سرية بالغة الخطورة.
وفي ظلام الليل، نقلوا الملوك من مقبرة إلى أخرى، ومن واد إلى واد، بحثا عن أماكن أكثر أمنا ومع مرور السنوات، تحولت عمليات الإنقاذ الفردية إلى خطة واسعة تهدف إلى جمع المومياوات الملكية في مواقع محددة يسهل حمايتها وتأمينها.
وفي خبيئة الدير البحري الشهيرة التي حملت الرمز DB320، اجتمع عدد من أعظم ملوك مصر القديمة هناك استقرت مومياوات أحمس محرر مصر، وأمنحتب الأول، وتحتمس الأول، وتحتمس الثاني، وتحتمس الثالث، ورمسيس الأول، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني العظيم، إضافة إلى رمسيس الثالث ورمسيس التاسع وغيرهم من الملوك.
أما مقبرة أمنحتب الثاني التي حملت الرمز KV35، فقد احتضنت مومياوات تحتمس الرابع، وأمنحتب الثالث، ومرنبتاح، وسيتي الثاني، ورمسيس الرابع، ورمسيس الخامس، ورمسيس السادس.
واستمرت هذه المهمة النبيلة أكثر من مئة وعشرين عاما، تناوب عليها عدد من كبار كهنة آمون، مثل حريحور، وباينجم الأول، ومنخبر رع، وباينجم الثاني، وكانوا يدونون على لفائف الكتان ملاحظات بالخط الهيراطيقي تسجل ما قاموا به من أعمال الإنقاذ، ويكتبون عبارات تحمل الكثير من الاحترام والتقدير للملوك الراحلين، مثل أعدنا دفنه في سلام.
ومرت القرون، واختفت أخبار تلك الخبايا تماما.
ثم جاء عام 1871، ليكشف القدر سرا ظل مخفيا لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
في أحد أيام الصيف الحارة، جلس الشقيقان أحمد ومحمد عبد الرسول فوق صخرة قرب منطقة الدير البحري، بينما كانت مجموعة من الماعز ترعى بين الصخور المنتشرة في المكان.
وفجأة، ابتعدت إحدى الماعز عن القطيع أسرع أحمد خلفها محاولا إعادتها، لكنه فوجئ باختفائها بين الصخور وكأن الأرض ابتلعتها.
اقترب بحذر ليرى ما حدث، فاكتشف فتحة ضيقة تؤدي إلى بئر عميقة مخفية داخل الجبل.
ومع حلول المساء، عاد الشقيقان إلى المكان وهما يحملان حبلا ومصباحين. ثبتا الحبل عند فوهة البئر، ثم بدأ محمد النزول ببطء نحو الأعماق.
استمرت رحلته حتى وصل إلى قاع البئر الذي بلغ عمقه نحو عشرة أمتار. وهناك وجد الماعز التي بحث عنها، لكنها لم تكن أكثر ما أثار دهشته.
فقد لاحظ وجود ممر صخري يمتد داخل الجبل.
أمسك مصباحه وتقدم بحذر شديد داخل الممر، ثم رفع الضوء أمامه، فتجمد في مكانه من هول ما رأى.
كانت التوابيت الملكية مصطفة في صفوف طويلة داخل المكان.
تابوت خلف تابوت، وعشرات القطع الأثرية تحيط بها من كل جانب تماثيل أوشابتي، وأوان كانوبية، وأدوات جنائزية، وتحف برونزية، ولمعان الذهب ينعكس على الجدران الصخرية وسط ظلام دامس.
بدت الخبيئة وكأنها كنز أسطوري خرج من صفحات الحكايات القديمة.
ورغم ضخامة الاكتشاف، قررت عائلة عبد الرسول الاحتفاظ بالسر، وعلى مدى عشر سنوات كاملة، واصل أفراد العائلة زيارة الموقع سرا خلال ساعات الليل، وأخذوا بعض القطع الأثرية الصغيرة التي يسهل بيعها ونقلها، بينما تركوا معظم المومياوات والتوابيت في أماكنها.
لكن الأسرار الكبيرة نادرا ما تبقى مخفية إلى الأبد.
في أحد الأيام، باع أحمد عبد الرسول زهريتين أثريتين نادرتين إلى أحد التجار، وأثناء متابعة سوق الآثار غير الشرعية، لفتت القطعتان انتباه أحد مساعدي عالم الآثار الفرنسي جاستون ماسبيرو، مدير مصلحة الآثار المصرية آنذاك.
وصلت القطعتان إلى ماسبيرو، وما إن فحصهما حتى أدرك أنه أمام آثار ملكية بالغة الأهمية.
نظر إليهما باهتمام ثم قال بثقة:
هذه ليست قطعا عادية، بل آثار خرجت من مقبرة ملكية مجهولة.
ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة البحث عن المصدر الحقيقي لتلك الكنوز.
ألقت السلطات القبض على أحمد عبد الرسول أكثر من مرة، لكن التحقيقات لم تكشف الحقيقة كاملة، وبعد خلافات نشبت داخل العائلة، قرر أحد أفرادها الإفصاح عن مكان الخبيئة.
وفي صيف عام 1881، وصل فريق الآثار إلى الموقع أخيرا.
نزل الباحثون إلى أعماق البئر، وما إن دخلوا الخبيئة حتى أصابتهم الدهشة، فقد وجدوا أمامهم أربعاً وأربعين مومياء ملكية تعود إلى أشهر ملوك مصر القديمة.
كانت مومياوات رمسيس الثاني، وسيتي الأول، وتحتمس الثالث، وأحمس وغيرهم من العظماء محفوظة داخل المكان الذي ظل مجهولا طوال قرون طويلة.
وبعد توثيق الاكتشاف، نقلت السلطات المومياوات في موكب مهيب عبر نهر النيل إلى القاهرة، حيث استقرت أولا في متحف بولاق، ثم انتقلت لاحقا إلى المتحف المصري لتصبح من أهم الكنوز الأثرية في العالم.
أما عائلة عبد الرسول، فقد رفضت الحصول على مكافأة من الأراضي التي عرضتها الحكومة تقديرا لاكتشافها وبدلا من ذلك تقدمت بطلب غريب وغير مسبوق.
طلب أفراد العائلة سك عملة ذهبية إنجليزية تحمل صورة أحد أفرادهم، على غرار العملات التي حملت صورة الملكة فيكتوريا.
ووافق الخديوي على هذا الطلب الاستثنائي، فسك العملة بالفعل، وأصبحت لاحقا قطعة نادرة ذات قيمة تاريخية كبيرة، وما زالت إحدى النسخ محفوظة حتى اليوم داخل المتحف البريطاني.
وهكذا، لم تكشف ماعز تائهة مجرد فتحة في الجبل، بل أعادت إلى العالم ملوك مصر الذين تنقلوا بين المقابر بعد موتهم، وظلوا مختبئين في قلب الجبال آلاف السنين، حتى جاء يوم خرجوا فيه مرة أخرى إلى نور التاريخ.



