جريمة في قلب طيبة.. كيف كشف الفراعنة أخطر شبكة لسرقة المقابر في مصر القديمة

لم تكن سرقة الآثار في مصر القديمة مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت في بعض الفترات إلى جرائم معقدة تشابكت فيها المصالح والنفوذ، بل وشارك فيها أحيانًا من أوكلت إليهم مهمة الحماية نفسها، كما تكشف النصوص القديمة، وعلى رأسها برديات التحقيقات الرسمية، عن عالم خفي من الفساد والمؤامرات التي طالت مقابر الملوك، رغم ما أحيطت به من قدسية وتحصينات.
جريمة في طيبة
ومن بين هذه الوقائع، تبرز واحدة من أقدم قضايا نهب الآثار المسجلة في التاريخ، والتي شهدتها مدينة طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، كما أشار الباحث الأثري حسين دقيل، المتخصص في الآثار اليونانية الرومانية.
المقابر تحت الحصار
حرص المصري القديم على تأمين مقبرته بكل الوسائل الممكنة، انطلاقًا من إيمانه العميق بفكرة الخلود والحياة الأخرى، فالمقبرة لم تكن مجرد موضع للدفن، بل بيتًا أبديًا ينبغي حمايته من أي انتهاك.
ورغم هذه الإجراءات، تمكن اللصوص من اختراق عدد كبير من المقابر، خاصة مع بداية حكم الأسرة العشرون، حين شهدت البلاد اضطرابات سياسية واقتصادية ساهمت في انتشار هذه الظاهرة.
بردية تكشف الأسرار
كما تكشف بردية تعود إلى عهد رمسيس التاسع عن واحدة من أقدم وقائع نهب الآثار الموثقة، حيث وقعت الحادثة في طيبة، التي كانت آنذاك عاصمة مصر ومركزًا دينيًا وسياسيًا بارزًا.
والمثير أن المتورطين لم يكونوا مجرد لصوص عاديين، بل ضمت القائمة بعض كبار مسؤولي الدولة.
خيوط المؤامرة
بدأت القصة عندما تلقى “باسر”، حاكم طيبة الشرقية، معلومات عن تعرض مقبرة الملك سخم رع شد تاوي للنهب في البر الغربي.
وعلى الفور، باشر التحقيق بنفسه متجاوزًا صلاحيات “باورو” حاكم طيبة الغربية، نتيجة شكوك تحيط بتورطه. ولم يتردد باسر في استخدام وسائل قاسية لانتزاع الاعترافات، قبل أن يحال الملف إلى الوزير “خع إم واست”، الذي أعاد التحقيق من جديد.
الحقيقة المطموسة
غير أن مسار القضية اتخذ اتجاهًا غامضًا، إذ تراجع المتهمون لاحقًا عن اعترافاتهم وأعلنوا براءتهم، ما دفع الوزير إلى إسقاط التهم، وأثار هذا التحول المفاجئ شكوكًا واسعة حول احتمال تورط أطراف عليا في إخفاء الحقيقة.
التحقيق الأخير
لم يستسلم باسر، بل هدّد برفع الأمر إلى الفرعون إذا لم يعاد فتح التحقيق، وهو ما حدث بالفعل في عهد الوزير الجديد “نب ماعت رع ناخت”، الذي استجوب خمسةً وأربعين متهمًا.
وتحت وطأة التعذيب، اعترف الجميع، ومن بينهم موظفون بارزون مثل حامل مبخرة معبد آمون وكاتب الجبانة، الذي انهار قائلًا: «كفى.. سأعترف، هذه الفضة هي كل ما أخذناه».
سرقة لا تنتهي
والمفارقة أن هذه البردية نفسها، التي وثقت فساد بعض رجال الدولة، لم تسلم من النهب، إذ تعرضت للسرقة في أواخر القرن التاسع عشر، خلال فترة شهدت تهريبًا واسعًا للآثار المصرية إلى الخارج.
وتؤكد شواهد أخرى أن سرقة المقابر لم تكن حادثة معزولة، بل ظاهرة ممتدة عبر العصور، فعند اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 على يد هوارد كارتر، لوحظت آثار اقتحام قديم داخلها، رغم أنها بدت مغلقة منذ العصور الفرعونية.
محاولات الإنقاذ
كما لجأ الكهنة في عصور لاحقة إلى حلول استثنائية لحماية المومياوات الملكية، من بينها إنشاء مخابئ سرية، أبرزها خبيئة الدير البحري (المقبرة رقم 320)، التي ضمت مومياوات عشرات الملوك والنبلاء، وظلت مخفية حتى اكتشافها عام 1871 على يد عائلة عبد الرسول، لتكشف فصلًا جديدًا من جهود إنقاذ التراث من عبث اللصوص.
وهكذا تعكس هذه الواقعة التاريخية المبكرة أن صراع المصري القديم لم يكن مع الموت فقط، بل مع من حاولوا انتهاك حرمة الأبدية وسرقة كنوزها، حتى لو كانوا من داخل منظومة الحماية نفسها.



