تاريخ ومزارات

سيف الدين برقوق..السلطان الهارب الذي عاد ليحكم من جديد

في جبال القفقاس الوعرة، حيث تلامس القمم عنان السماء، ولد عام 1340م طفل شركسي اسمه سيف الدين برقوق، حمل في عينيه طموحا لا يخبو، وفي قلبه عزيمة لا تعرف الانكسار.

من هو سيف الدين برقوق

عندما بلغ العشرين من عمره، ساقته الأقدار إلى القاهرة، عاصمة الدولة المملوكية ومركز القوة والنفوذ، التحق بجيش المماليك، ولفت الأنظار بسرعة بذكائه الحاد وشجاعته الكبيرة، أتقن فنون القتال والفروسية حتى صار السيف والرمح امتدادا لقوته، وتدرج في المناصب بثبات، فبدأ أميرا للطبلخاناه، ثم تولى إمارة آخور، واستمر في الصعود حتى أصبح أتابك الجيش عام 779هـ

لم يعتمد برقوق على القوة العسكرية فقط، بل عرف كيف يكسب ولاء الرجال، فجمع الشراكسة تحت رايته، ووحد صفوفهم داخل الدولة، وصنع منهم قوة مؤثرة داخل الحكم، ورغم ذلك واجه صراعات حادة، أبرزها صدامه مع الأمير بركة، حيث هزمه في مواجهة حاسمة وأودعه السجن، ليؤكد للجميع أنه لا يتراجع أمام خصومه

بعد وفاة السلطان المنصور علي عام 1381م، تولى برقوق إدارة شؤون الدولة بصفته وصيا على العرش، بينما جلس الصالح حاجي اسما على كرسي الحكم، ولم يمر وقت طويل حتى أدرك الأمراء أن زمام الأمور في يد برقوق، وأنه الأقدر على قيادة الدولة، وفي ليلة من ليالي رمضان عام 784هـ، بايعه الأمراء سلطانا، ومنحوه لقب الملك الظاهر سيف الدين، ليبدأ بذلك عصر جديد في تاريخ مصر هو عصر المماليك البرجية الذي استمر حتى عام 1517م

لم يهنأ برقوق بالعرش طويلا، إذ تحرك خصومه ضده، ونجحوا في عام 791هـ في عزله ونفيه إلى قلعة الكرك في بلاد الشام، واعتقد الجميع أن نهايته قد جاءت، لكنهم لم يدركوا حقيقة شخصيته، فقد تمكن من الهروب بمساعدة أنصاره، وعاد بقوة، وخاض معارك حاسمة ضد أعدائه، واستعاد العرش عام 792هـ، وفرض هيبته من جديد

خلال فترة حكمه، واجه تحديات خارجية خطيرة، خاصة من المغول، فتعامل مع الموقف بذكاء، وأقام تحالفات مع العثمانيين والقفجاق وأمراء سيواس، لحماية حدود دولته، ولم يكتف بإدارة الحروب، بل اهتم بشؤون الناس، فخفف الأعباء عنهم، وألغى الضرائب على الفواكه والثمار، وأنشأ مدارس وخوانق ومنشآت خيرية، وبنى جسرا على نهر الأردن لتسهيل حركة المسافرين

وصل نفوذ برقوق إلى مستوى كبير، حتى أن تيمورلنك وبايزيد العثماني، رغم صراعهما، سعيا إلى كسب وده والتحالف معه، ما يعكس مكانته القوية في المنطقة

في يوم الجمعة 15 شوال 801هـ، توفي السلطان الظاهر سيف الدين برقوق عن عمر يقترب من الستين، وترك وراءه سيرة حاكم قوي وعادل، أحبته الرعية، وخلد اسمه كواحد من أبرز سلاطين المماليك، رجل سقط ثم نهض، وهرب ثم عاد، وحكم بعقل يقظ وقلب ثابت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى