تاريخ ومزارات

قانصوه الغوري.. سلطان حمل العرش باكيا ثم واجه به عواصف النهاية

في السنوات الأخيرة من عمر دولة المماليك، ظهر رجل جركسي الأصل اسمه قانصوه بن بيبردي الغوري، ليكتب فصلا استثنائيا في تاريخ مصر والشام، ولد الغوري عام 1446م، وعاش طفولته في كنف السلطان قايتباي الذي اشتراه صغيرا، ثم أعتقه وضمه إلى خاصته، تربى داخل أروقة الحكم، وتدرج في المناصب خطوة بعد أخرى حتى تولى منصب حجاب الحجاب في حلب، ثم أصبح وزيرا في عهد السلطان جنبلاط، وفرض حضوره بين كبار رجال الدولة.

 

في عام 1500م، خلع الأمراء السلطان العادل طومان باي، واجتمعوا في القاهرة لاختيار بديل، اختاروا الغوري رغم تقدمه في السن، لأنهم ظنوا أنه لن يملك طموحا يقوده للتمرد عليهم، وتخيلوا أنهم سيحكمون من خلفه بسهولة، حملوه إلى العرش رغما عنه، وجلس عليه وهو يبكي ويرفض، وطلب منهم أن يتركوه يعيش إن قرروا عزله يوما، فوافقوا وبايعوه وهم يعتقدون أنهم سيبقون أصحاب القرار.

 

لكن حساباتهم سقطت بسرعة

 

ما إن استقر الغوري على الحكم حتى كشف عن شخصية مختلفة تماما، ففرض سيطرته بقوة، وأبعد خصومه من الأمراء، وأعاد ترتيب الدولة بقبضة حازمة، واجه أزمة اقتصادية خانقة بعدما اكتشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح، فتراجعت تجارة التوابل والحرير عبر البحر الأحمر، وبدأت خزائن الدولة تفرغ، تعامل الغوري مع الأزمة بقرارات صعبة، فخفض الأجور، ورفع الضرائب، وصادر أموال بعض الأثرياء، تذمر الناس والمماليك، لكنهم لم يجرؤوا على مواجهته أو عزله

 

ورغم شدته، أظهر وجها آخر مختلفا، فقد أحب العمارة والخير، ودعم بناء المنشآت الدينية والخيرية، جدد خان الخليلي، واهتم بقبة الإمام الشافعي، وأقام منارة جديدة للجامع الأزهر، وعزز التحصينات ببناء قلعة العقبة وأبراج على سواحل الإسكندرية لحماية البلاد، كما ترك في حلب مجموعة معمارية مميزة ما زالت شاهدة على عصره

 

ثم جاء التحدي الأخطر من البحر

 

سيطر البرتغاليون على طريق رأس الرجاء الصالح، وسعوا للهيمنة على البحر الأحمر، وهاجموا سواحل الحجاز ومصر، ورفعوا شعارات دينية في حربهم للسيطرة على الأراضي المقدسة، رد الغوري ببناء أسطول قوي، وعزز الدفاعات الساحلية، وخاضت قواته معارك بحرية عنيفة، نجحت البحرية المملوكية في طرد البرتغاليين من البحر الأحمر، ثم هاجمت مواقعهم في المحيط الهندي، واستهدفت قلاعهم في اليمن وعمان وشرق أفريقيا وسواحل الهند، حقق المماليك انتصارا مهما في معركة شاول عام 1508، لكن البرتغاليين عادوا بقوة أكبر وانتصروا في معركة ديو عام 1509، فتراجع المماليك مع احتفاظهم بالسيطرة على البحر الأحمر

 

وبينما ينشغل الغوري بالبحر، اقترب خطر جديد من البر

 

في البداية حافظت الدولة العثمانية على علاقات ودية مع المماليك، وتعاون الطرفان ضد البرتغاليين وبقايا المغول، لكن توسع العثمانيين غير موازين القوى، ومع ظهور الدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل، ازدادت الضغوط على المماليك من الشرق والغرب معا، عندما وصلت إلى الغوري رسائل تكشف تواصل الشاه إسماعيل مع ملوك أوروبا، أدرك حجم الخطر، فحاول التزام الحياد، لكن السلطان سليم الأول هزم الصفويين في جالديران عام 1514، وأزال الحواجز التي كانت تفصل بينه وبين أراضي المماليك

 

أصبح الصدام حتميا

 

في أغسطس 1516م، خرج الغوري من القاهرة على رأس جيشه متجها إلى الشام، رغم تجاوزه السبعين من عمره، ليواجه العثمانيين، التقى الجيشان في مرج دابق شمال حلب، ووقف السلطان العجوز بنفسه في ساحة القتال دفاعا عن دولته

 

انقلب عليه بعض أقرب قادته، منهم خاير بك والقاضي يونس وجان بردي الغزالي، فانهار الجيش المملوكي وسط المعركة، سقط الغوري عن فرسه، وداسته خيول المعركة، واستشهد وهو يقاتل دفاعا عن مصر على أرض الشام

 

رحل سلطان لم يسع يوما إلى الحكم، لكنه عندما حمل عبء العرش، تمسك به حتى النهاية، ودافع عن دولته بكل ما يملك حتى اللحظة الأخيرة

 

وصفه المؤرخ ابن إياس بكلمات تلخص شخصيته، فقال إن شدته وكثرة مصادراته أضرت بسمعته، لكنه لو تخلى عن ذلك لكان من أفضل ملوك المماليك وأبرزهم مكانة

 

هكذا انتهت قصة رجل بدأ رحلته كارها للسلطة، ثم تحول إلى واحد من أشد المدافعين عنها، حتى سقط في ميدان القتال، وترك خلفه سيرة تجمع بين القوة والتناقض والنهاية الدامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى