تاريخ ومزارات

عبد الحميد الثاني أسطورة المقاومة وباني سكة الحجاز ورافض بيع فلسطين

في أحد أروقة قصر جراغان الراقية المطلة على مياه البوسفور الزرقاء الهادئة شهد يوم أربعاء مشمس من عام 1842 ميلاد طفل يدعى عبد الحميد. كان ابن السلطان عبد المجيد الأول وأمه الشركسية الجميلة تيرمشكان التي فارقت الحياة باكرا تاركة الصغير في رعاية زوجة أبيه بيرستو قادين. أحبته هذه المرأة حبا أموميا صادقا فكافأها لاحقا عندما اعتلى العرش بلقب السلطانة الوالدة.

من هو عبد الحميد الثاني

نشأ الفتى في أجواء القصر المليئة بالأسرار والدسائس والسياسة الدقيقة. تعلم العربية والفارسية وغاص في كتب الأدب والتاريخ والعلوم العسكرية. كان يميل إلى العزلة يمارس الرياضة يركب الخيل بمهارة ويقضي ساعات طويلة في ورشته الخاصة يمارس حرفة النجارة التي عشقها. حتى اليوم لا تزال بعض قطع الأثاث الخشبية الرائعة التي صنعها بيديه محفوظة في المتاحف تشهد على براعته ودقته. وصفه والده بالشكاك الصامت. كان قليل الكلام بعيدا عن المسكرات محافظا على الصلوات والشعائر الدينية بدقة. عندما توفي والده وهو في الثامنة عشرة من عمره أصبح ولي العهد الثاني لعمه السلطان عبد العزيز. رافق عمه في رحلاته إلى أوروبا ومصر والتقى ملوكا وزعماء ورأى بعينيه كيف تتربص الدول الكبرى بالدولة العثمانية التي كانوا يصفونها برجل أوروبا المريض.

 

صعود السلطان

 

في عام 1876 وبعد مؤامرة درامية أطاحت بعمه عبد العزيز ثم بأخيه مراد الخامس الذي لم يستمر حكمه سوى ثلاثة أشهر بسبب اضطرابات عقلية بويع عبد الحميد الثاني سلطانا للدولة العثمانية وهو في الرابعة والثلاثين من عمره. كانت الإمبراطورية في ذلك الوقت على حافة الهاوية ديون متراكمة ثورات في البلقان وتهديد روسي وشيك. أعلن السلطان الدستور الأول وافتتح مجلس المبعوثان لكن الحرب الروسية العثمانية اندلعت فورا وانتهت بهزيمة قاسية. اقترب الروس من أسوار إسطنبول واقتطعت معاهدتا سان ستيفانو وبرلين أراضي واسعة وهجر ملايين المسلمين من أراضيهم. شعر عبد الحميد أن البرلمان والصحافة دفعا الدولة إلى حرب لم تكن مستعدة لها فقرر تعطيل الحياة النيابية في عام 1878. لم يلغ الدستور رسميا بل ظل ينشر كل عام لكنه حكم من قصر يلدز حكما فرديا مركزيا لثلاثين عاما معتمدا على شبكة واسعة من التحريات والبرق والهاتف ليبقى على اطلاع بكل شاردة وواردة. كان يدير شؤون الدولة بحكمة شديد يمسك بكل الخيوط بيده ويحرص على تقليل سفك الدماء قدر الإمكان. لم يصدق سوى على خمسة أحكام إعدام طوال عهده الطويل وكان يفضل النفي على السجن.

 

مشاريع الجامعة الإسلامية والسكة الحديدية

 

آمن عبد الحميد أن خلاص الدولة يكمن في توحيد المسلمين ضد الاستعمار الغربي فأطلق شعار الجامعة الإسلامية. أنشأ مدارس وكليات حديثة وربط أطراف الإمبراطورية الشاسعة بشبكة هائلة من خطوط البرق والهاتف وبنى غواصات وسلح الجيش بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا آنذاك. لكن أعظم مشاريعه على الإطلاق كان سكة حديد الحجاز. أراد أن ييسر على المسلمين أداء فريضة الحج فبدلا من رحلة شاقة تستغرق أربعين يوما على ظهور الجمال أصبحت الرحلة تستغرق أربعة أيام فقط بالقطار. نشر بيانا يدعو المسلمين في الهند والصين وأفريقيا وكل أصقاع الأرض للتبرع وبدأ هو نفسه بتبرع ضخم. تهافت المسلمون على دعم المشروع وبعد ثماني سنوات من العمل الجاد وصل أول قطار إلى المدينة المنورة في عام 1908. كان هذا المشروع رمزا حيا للوحدة الإسلامية وصخرة صلبة أمام المخططات الاستعمارية.

 

مواجهة الصهيونية والأطماع الأوروبية

 

لم يكن السلطان محبوبا في أوروبا. كان يحكم ملايين المسيحيين داخل الإمبراطورية ويمتلك نفوذا روحيا كبيرا على ملايين المسلمين في المستعمرات الغربية. سعى إلى إيقاع الدول الكبرى ببعضها البعض وجلب ألمانيا إلى المنطقة من خلال سكة حديد بغداد برأس مال ألماني مما أثار قلق بريطانيا وروسيا. جاءت الضربة الأكبر عندما رفض عرضا تاريخيا من ثيودور هرتزل زعيم الحركة الصهيونية. في عام 1901 توسط سفير النمسا وعرض هرتزل ملايين الليرات الذهبية كهدية وقرض مقابل السماح بتوطين اليهود في فلسطين. أدرك السلطان المكيدة جيدا فقد كان يعلم أن الأغلبية السكانية ستؤدي لاحقا إلى مطالبة بالحكم الذاتي بدعم أوروبي. طرده من حضرته بشدة وقال في مذكراتنا نكون قد وقعنا قرار الموت على إخواننا في الدين. وفي رواية أخرى مشهورة قال لو دفعتم لي ملء الدنيا ذهبا فلن أبيع شبرا واحدا من فلسطين فهي ليست ملكي الخاص بل ملك الأمة الإسلامية التي فتحتها بدمائها. أدرك اليهود والأوروبيون أن وجوده يشكل عقبة كبيرة أمام مشاريعهم فتكاثرت المؤامرات ضده.

 

النهاية المأساوية

 

في أبريل 1909 اندلع تمرد في إسطنبول يعرف بحادث 31 مارت. تقدمت قوات الاتحاديين من سالونيك ودخلت المدينة. رفض السلطان إراقة الدماء ورفض استخدام الجيش ضدهم. سيطروا على القصر واتهموه بأكاذيب ملفقة وحصلوا على فتوى بخلعه تحت التهديد. جاء أربعة موظفين هم يهودي وأرمني وألباني وجرجي ليبلغوه بخلعه. تنازل عن العرش لأخيه محمد رشاد ونفي إلى سالونيك مع ثمانية وثلاثين شخصا من حاشيته وسجن في قصر يملكه يهودي تحت رقابة مشددة. قضى سنواته الأخيرة في إسطنبول بعد عودته محروما حتى من قراءة الصحف. توفي في العاشر من فبراير عام 1918 عن عمر يناهز السادسة والسبعين إثر نزيف داخلي. شارك آلاف المسلمين في جنازته ورثاه حتى أكبر معارضيه رضا توفيق بقصيدة تعترف بالظلم الذي لحق به: عندما يذكر التاريخ اسمك يكون الحق في جانبك ومعك أيها السلطان العظيم، كنا نحن الذين افترينا دون حياء على أعظم سياسي العصر.

 

هكذا انتهت حقبة رجل حكم لثلاثة وثلاثين عاما في زمن الانهيار والمؤامرات. مد في عمر الدولة العثمانية وقاوم الأطماع الخارجية وبنى الكثير لكنه سقط أمام تيار القوميات والدسائس الدولية. كان شخصية معقدة متعددة الجوانب مصلحا ومستبدا حاميا للأمة ومتهما في الوقت نفسه، يذكر في التاريخ بين الجدل والإعجاب كآخر سلطان امتلك سلطة فعلية حقيقية في الدولة العثمانية. والآن بعد أن تعرفت على قصة السلطان عبد الحميد الثاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى