كتابنا

إنجي بدوي تكتب: المجتمع العربي في إسرائيل بين الخيانة ومعركة البقاء

خلال العامين الماضيين، بدأ الصوت العربي في الداخل الإسرائيلي يعلو بوضوح، بين من يدافع عن غزة وأهلها داخل الكنيست الإسرائيلي، وآخرين يشاركون في صفوف الجيش الإسرائيلي في قتل الأبرياء في الدول العربية، يعيش المجتمع الفلسطيني الذي فُرضت عليه الجنسية الإسرائيلية منذ عام 1948 حالة معقدة من ازدواجية الهوية؛ فهو يحمل هويتين: الأولى تعبر عن موطنه الحقيقي فلسطين، والثانية مفروضة عليه بحكم الواقع وهي الهوية الإسرائيلية.

كثير منهم رفض مغادرة أرضه، متمسكًا بها وبحقه فيها، واختار أن يخوض معركة من نوع مختلف؛ ليس بالسلاح كما نراه يوميًا، بل من داخل مؤسسات الدولة المزعومة ذاتها، هناك من قرر المواجهة من داخل الكنيست، عبر أحزاب عربية تمثل المجتمع العربي وتعبّر عن معاناته، سواء مع الجريمة أو مع السياسات العنصرية.

نرى أصواتًا تصرخ بحق الفلسطينيين في الوجود، مثل أحمد الطيبي، ومعه نواب القائمة العربية، الذين تحركوا لوقف قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وقدموا التماسًا للمحكمة العليا الإسرائيلية.

كما نشهد حركات تضامنية تجمع بين عرب ويهود، تدافع عن أطفال فلسطين واليهود معًا، وترسل مساعدات إنسانية إلى الضفة الغربية، وتخرج في شوارع تل أبيب للاحتجاج على الحكومة اليمينية المتطرفة، ومع ذلك، يبقى التباين واضحًا داخل هذا التيار؛ فبينما يدعو البعض إلى حل الدولتين أو دولة مشتركة تجمع العرب واليهود.

ويتمسك آخرون بحلم التحرير الكامل، ويرفض الاعتراف بالهوية الإسرائيلية التي فُرضت عليه، ويعلن صراحة: “أنا فلسطيني فقط”.

الحقيقة أن هذه الفئة تعيش حالة من الازدواجية التي تضعنا أمام تساؤل صعب: هل ما يقومون به هو شكل من أشكال المقاومة الذكية من داخل مؤسسات العدو؟أم أنه نوع من التكيف الذي يقترب من التواطؤ؟ هل الدفاع عن فلسطين من قلب تل أبيب موقف شجاع، أم تنازل مرفوض؟ وهل كان عليهم مغادرة الأرض إلى مناطق السلطة الفلسطينية؟ أم أن البقاء نفسه شكل من أشكال الصمود؟ في كل الأحوال، فإن ترك الأرض للمحتل ليس خيارًا بسيطًا، بل قد يُنظر إليه كنوع من الضعف أيضًا، ومن ناحية أخري، النساء اليهوديات يُعانوا من عقم، ومن الممكن أن يكون النسل العربي الأكثر عددًا خلال الاجيال القادمة، وهذه تعتبر من اقوي نقط ضعف المجتمع الإسرائيلي.

ومن الصعب إصدار حكم قاطع على هذه الفئة، خاصة أن كثيرين منهم ساهموا عبر الأبحاث والدراسات والكتب والسياسة والإعلام في كشف بنية المجتمع الصهيوني، وقدموا فهمًا عميقًا له، كما أنهم لم يترددوا في انتقاده بجرأة ووضوح.

لكن في المقابل، هناك فئة أخرى أكثر خطورة، يمكن وصفها بـ”عرب الداخل الصهاينة”، هؤلاء، رغم أصولهم الفلسطينية، اختاروا التخلي عن هويتهم، والانخراط الكامل في المشروع الإسرائيلي، تحولت لغتهم الأم إلى العبرية، وهويتهم إلى إسرائيلية خالصة، بل وانخرط بعضهم في الجيش الإسرائيلي، مشاركًا في قتل أبناء جلدته، يظهرون في الإعلام مدافعين عن الرواية الصهيونية، ويعلنون صراحة أن هذه “أرض إسرائيل”. من بين هذه النماذج إيلا المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي؛ ولوسي أهريش فلسطينية الأصل متزوجة من يهودي، ونسرين قادري أشهر مغنية من أصل فلسطيني مسلم تحولت إلي اليهودية، وكذلك يوسف حداد مسيحي من أصل فلسطيني، خدم في الجيش الإسرائيلي وشارك في القتال بلبنان.

في النهاية، يقف المجتمع العربي في الداخل الإسرائيلي على خط تماس حاد بين البقاء والتواطؤ، بين الصمود والاندماج، بين المقاومة الصامتة والانخراط الكامل في مشروع الخصم، ليس كل من بقي خائنًا، وليس كل من اندمج مقاومًا، إنها معركة هوية يومية، تُخاض داخل النفوس قبل أن تُخاض في الشوارع أو داخل الكنيست، وبين من يقاوم من الداخل، ومن يسقط في فخ الاندماج الكامل، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن التعايش دون الذوبان؟ وهل يمكن البقاء دون أن يتحول إلى تواطؤ؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ترسم ملامح أخطر معارك هذا الجيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى