
قصة قصيرة: (بيت جدي) للأديب السيناوي محمد الغرباوي
كتب – حاتم عبدالهادي السيد
يحيلنا الروائي السيناوي أ./ محمد الغرباوي في قصته ” بيت جدي” إلى عبق الماضي، وعطر الأجداد، حيث الأسر القديمة المترابطة، وحيث الدار الوسيعة التي تجمع الأهل والإخوة والأحباب، وحيث الأصالة والقيم تطرح جمالا لعبق الماضي العتيق.
إنها قصة تربوية يرويها بجمال، وانسيابية رؤية، وعمق معنى، وجمال عبارة ممتدة.
>ولقد أصدر كاتبنا من قبل رواية الورطة، وكتب العديد من المسرحيات، والمجموعات القصصية.
واليوم نختار من مجموعته القصصية الجديدة قصة بيت جدي، لتعبر عن الزمن الجميل.
( بيت جدي)
بيتُ جدي:
كان ذلك البيتُ يوماً وطناً داخل وطن، صرحاً مشيداً من المحبة والحكايات. لم يكن مجرد جدرانٍ وأسقف، بل كان قلباً ينبض بوجود جدي ووجه جدتي الذي يشع نوراً وطمأنينة.
أتذكر كيف كنا نحجُّ إليه جميعاً؛ أعمامي، عماتي، وأفواجٌ من الصغار تملأ الأرجاء صخباً. كان البيت كخلية نحلٍ لا تهدأ؛ في الأعياد نغدو كآلةٍ موسيقية تعزف ألحان الفرح، وفي نجاحاتنا المدرسية كانت الزغاريد تملأ الممرات وكأنَّ النصر وُلد هناك. حتى في لحظات الحزن والانكسار، كان بيت جدي هو “الملاذ”، نلتئم فيه فنجبر كسرنا بلمّ شملنا.
وفي قلب حديقة المنزل، كانت تقف الشجرة الكبيرة. كانت صديقتنا الخضراء، والشاهد الدائم على كل تلك الذكريات والاحداث ،تفرش ظلها الوارف فوق رؤوسنا بامتنان، وكأنها تفرح بضحكاتنا وترتوي من ضجيجنا. كانت غصونها ريانة، وأوراقها تهمس مع النسيم وكأنها تشاركنا أسرارنا الصغيره.
لكن دوام الحال من المحال. رحل جدي، وتبعه الأحبةُ واحداً تلو الآخر؛ رحلت جدتي، ثم أعمامي وعماتي، ومع رحيلهم انفرط عِقد العائلة. تفرق الجميع في دروب الحياة، وأوصدت الأبواب التي لم تكن تُغلق يوماً.
قصة قصيرة بيت جدي
وتبقى ليلةُ زفاف ابنة عمتي، “أولى الحفيدات”، محفورةً في ذاكرة البيت بجمالٍ خاص. كانت ليلة حنة كبيرة، كأنها عُرسٌ كامل. فُرشت باحة البيت بالسجاد الملون، وزُينت الجدران بالأضواء المتلألئة. وفي تلك الليلة، كانت الشجرة الكبيرة في قلب الحديقة هي الشاهدةَ الكبرى. التف الجميع حول العروس؛ الجدة تخضّب يديها بالحناء بعيون تدمع فرحاً، والعمات يغنين الأغاني التراثية العذبة، ونحن الصغار نتراقص حولها بحماس. كانت ليلة لا تُنسى، تجسد ذروة الفرح والترابط في عائلتنا
اليوم، زرتُ البيت فاعتصر قلبي ألماً. ذلك المكان الذي كان يفوح بعطر البخور والطعام الشهي الذى تصنعه جدتى كل يوم، تملأ رائحته الشارع كله، فيشمه الاهل والجيران، بات يسكنه الغبار وتملأ زواياه خيوط العنكبوت. النمل الذي كان يشاركنا فتات خبزنا صار هو صاحب الدار، والصمت الذي يلف الأرجاء صار موحشاً يمزق القلب.
>أما تلك الشجرة العظيمة، فقد نال منها الحزنُ ما نال منا. وقفتُ أمامها فبكت عيناي؛ لقد جفت عروقها، وتساقطت أوراقها، وانحنت غصونها يابسةً وكأنها تعلن الحداد الأبدي. لم تعد تظلل أحداً، بل صارت هيكلاً خشبياً يروي قصة الفقد والغياب. لقد هرمت الشجرة حين كفّت الأقدام عن الركض حولها، وماتت حين انقطع صدى الضحكات من تحتها.
جَلستُ على عتبة الباب القديم، الذي تآكلت أطرافه بفعل الزمن والإهمال. كان البرد يتسلل إلى عظامي، ليس فقط برد الجو، بل برودة الفراغ الذي يملأ هذا المكان. لم أستطع كبت دموعي؛ فقد تخيلتُ، للحظات، صوت جدي وهو يناديني بلقبي المحبب، وشممتُ رائحة قهوة جدتي التي كانت تملأ الأجواء كل صباح.
تذكرتُ ضحكات أعمامي وعماتي، ومزاح أبنائهم الذي كان يملأ الأرجاء حيوية.
كل ذلك ولى وانتهى. أخذتُ نفساً عميقاً، محاولاً استنشاق عبق الماضي، لكنني لم أجد سوى رائحة الغبار والصمت الموحش. نهضتُ ببطء، وألقيتُ نظرة أخيرة على البيت وعلى الشجرة الحزينة. تركتُ ورائي جزءاً كبيراً من قلبي، وخرجتُ مطأطأ الرأس، مدركاً أن الأطلال لا تعيد الأحبة، وأن بيت جدي سيظل، من الآن فصاعداً، مجرد ذكرى مؤلمة في زوايا ذاكرتي.
“وسيبقى بيت الجد هو الحكاية التي لا تُنسى، مهما هجره الساكنون.”
محمد الغرباوى
شمال سيناء



