صفورة بنت شعيب حين اختار الحياء القوة فبدأت رحلة نبي
خرج موسى من مصر يراقب الطريق خلفه بخوف وترقب، لم يحمل زادا ولا سندا، وترك خلفه وطنا يعرفه الى ارض لا يعرفها، لكنه حمل يقينا بالله ودعاء لا يفارق لسانه، قادته خطاه الى مدين، وهناك لم يكن يدري ان غربته ستتحول الى سكن، وان تعبه سيقوده الى بيت نبي، وان قلبه سيجد شريكة درب تصاحبه في اخطر مراحل حياته.
قصة صفورة بنت شعيب
عند ماء مدين رأى الناس يسقون مواشيهم، ولمح امراتين تقفان بعيدا تنتظران في صبر، لا تزاحمان الرجال ولا تقتربان، اقترب موسى وسالهما عن سبب وقوفهما، فاجابتا انهما لا تسقيان حتى ينتهي الرعاة، وان اباهما شيخ كبير لا يستطيع الرعي، فهم موسى الموقف في لحظة، وتقدم دون تردد، فسقى لهما وحده، وواجه الرعاة بقوته، ثم انسحب بهدوء الى الظل، ورفع قلبه قبل يديه قائلا رب اني لما انزلت الي من خير فقير، كانت كلمات صادقة خرجت من نفس متعبة، فكان الجزاء اسرع مما تخيل.
عادت احدى الفتاتين الى ابيها تخبره بما صنع الغريب، فطلب منها ان تدعوه، فخرجت تمشي في وقار وحياء، مشية سجلها القرآن لتبقى نموذجا للعفة الى قيام الساعة، كانت تلك الفتاة صفورة كما ذكر اهل التفسير، تحدثت باختصار وادب، وقالت ان ابي يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا، لا خضوع في القول ولا اطالة في الحديث، بل توازن يجمع بين الحياء والثقة.
دخل موسى بيت شعيب وقص عليه ما مر به من احداث، فطمأنه شعيب وبدد خوفه، وقال له لا تخف نجوت من القوم الظالمين، وفي ذلك البيت وجد موسى الامان الذي افتقده، وبدأت تتشكل ملامح مرحلة جديدة من حياته.
نطقت صفورة بكلمات صنعت التحول، فقالت لابيها يا ابت استاجره ان خير من استاجرت القوي الامين، لم تكن كلمات عابرة، بل شهادة مبنية على موقف، فقد رأت قوته حين سقى وحده وازاح الصخرة، ورأت امانته حين طلب منها ان تمشي خلفه وتدله بالحجر حتى لا ينظر اليها، جمعت في وصفه بين صفتين تقوم عليهما الحياة كلها، القوة التي تحمي، والامانة التي تصون.
عندها عرض شعيب على موسى الزواج من احدى ابنتيه مقابل ان يعمل عنده سنوات محددة، ثماني حجج فان اتم عشرا فذلك فضل منه، لم يكن موسى يملك مالا ولا دارا، لكنه كان يملك خلقا راسخا، فقبل العرض برضا وقال ايما الاجلين قضيت فلا عدوان علي، فتم الزواج، واقام موسى في مدين سنوات يرعى الغنم، يتعلم الحلم والصبر، ويستعد دون ان يدري للرسالة التي تنتظره.
بعد ان قضى الاجل خرج موسى باهله متوجها نحو مصر، وفي طريقه عند طور سيناء رأى النار التي كانت بداية التكليف، وهناك ناداه ربه واصطفاه للرسالة، وكانت صفورة الى جواره، زوجة صالحة تشاركه الرحلة منذ لحظة الضعف الى لحظة الاختيار.



