من جندي تركي إلى مؤسس دولة تهز عرش العباسيين: كيف صنع أحمد بن طولون مجده في مصر والشام
في قلب العصر العباسي الثاني، حين بدأت سلطة بغداد تضعف تحت نفوذ القادة الأتراك، برزت تجربة سياسية جديدة غيرت موازين الحكم في العالم الإسلامي، إنها الدولة الطولونية التي حكمت بين عامي 254 و292 هـ، الموافق 868 إلى 905 م، والتي مثلت أول نموذج فعلي لحكم محلي مستقل عن السلطة المركزية في مصر والشام والحجاز، مع بقاء الولاء الاسمي للخلافة.
من هو أحمد بن طولون
كان مؤسس هذه الدولة هو أحمد بن طولون، الرجل الذي بدأ حياته جنديا تركي الأصل، ثم تحول إلى حاكم قوي وصاحب مشروع سياسي وعمراني متكامل. ولد عام 214 هـ الموافق 829 م في بخارى، وكان والده مملوكا أُهدي إلى الخليفة المأمون، ونشأ أحمد نشأة دينية ملتزمة، بعيدا عن مظاهر الترف والانحراف التي ارتبطت ببعض القادة الأتراك في تلك المرحلة، وقضى سنواته الأولى في الثغور الشامية، خاصة في طرسوس، حيث تمرس في القتال واكتسب احترام الجنود والقادة.
بعد وفاة والده عام 230 هـ الموافق 845 م، توطدت صلته بدوائر الحكم، ونال ثقة الخلفاء، منهم المتوكل والمستعين بالله، كما تزوجت والدته من الأمير التركي بايكباك، الذي عُيّن واليا على مصر عام 254 هـ الموافق 868 م، فأرسل أحمد نائبا عنه إلى الفسطاط، العاصمة الإسلامية لمصر آنذاك، لتبدأ هناك ملامح مشروعه الكبير.
ساعدته الظروف السياسية المضطربة على تثبيت أقدامه. قُتل بايكباك عام 256 هـ الموافق 870 م، فأصبح أحمد نائبا ليارجوخ، صديق والده، الذي أبقاه على رأس السلطة، باستثناء ملف الخراج الذي ظل بيد أحمد بن المدبر المعروف بسوء سمعته، وطالب أحمد الخليفة المهتدي بالله بعزل ابن المدبر، فاستجاب الخليفة، ووسّع من صلاحياته لتشمل الثغور الشامية. وبعد وفاة يارجوخ عام 259 هـ الموافق 873 م، أصبح أحمد الحاكم الفعلي لمصر، مسيطرا على الإسكندرية وبرقة، ويتلقى الطاعة من أمراء الكور.
لم يكن طريقه ممهدا، فقد واجه سلسلة من الثورات والتمردات. تصدى لثورة بغا الأصغر العلوي عام 255 هـ الموافق 869 م، الذي تحرك بين الإسكندرية وبرقة ثم اتجه إلى الصعيد، فأرسل أحمد جيشا هزمه وقتله، كما واجه تمرد ابن الصوفي العلوي الذي استولى على إسنا ونهبها، لكنه هُزم لاحقا في أسوان وفر إلى بلاد البجة ثم مكة. وواجه ثورة العمري، التي انتهت بمقتله، إضافة إلى تمرد أهل برقة عام 262 هـ، حيث أخضعهم بعد حصار شديد. حتى ابنه العباس لم يسلم من العقاب حين تمرد عام 264 هـ أثناء غياب والده في الشام، فقبض عليه وسجنه.
امتد نفوذ أحمد إلى الشام مستفيدا من انشغال العباسيين بثورة الزنج التي اندلعت بين 255 و270 هـ. كان الخليفة المعتمد على الله حاكما صوريا، بينما كان أخوه الموفق بالله يدير الدولة فعليا. حاول أحمد استقطاب المعتمد إلى مصر عام 268 هـ الموافق 882 م ليجعلها مقرا للخلافة، لكن الموفق حال دون ذلك، وتصاعد الخلاف بينهما حتى أعلن أحمد خلع الموفق من ولاية العهد في اجتماع بدمشق، قبل أن يتدخل العقلاء ويتم الصلح، مع إقرار أحمد على مصر والشام.
إلى جانب قوته السياسية، كان أحمد بن طولون صاحب رؤية عمرانية واقتصادية واضحة. أسس مدينة القطائع عام 256 هـ الموافق 870 م على جبل يشكر، لتكون عاصمة جديدة منظمة تقسم إلى قطائع تخصص لكل فئة من الجيش، شيد فيها قصرا فخما وميدانا واسعا للعرض العسكري، كما بنى جامع أحمد بن طولون عام 265 هـ الموافق 878 إلى 879 م، وهو من أقدم المساجد الباقية في مصر، يتميز بتصميمه المربع من الآجر الأحمر وصحنه الواسع ومئذنته الفريدة.
أنشأ بيمارستانا عام 259 هـ الموافق 872 م يعالج المرضى مجانا مع صيدلية متكاملة، واهتم بشق القناطر وإصلاح الترع والسدود، مما أنعش الزراعة وخفّض أسعار الحبوب، و ازدهرت الصناعات، خاصة النسيج في تنيس ودمياط، والصناعات الصوفية والمطرزة في الإسكندرية، كما أصلح مقياس النيل في الروضة وأقام حصنا لحمايتها.
توفي أحمد بن طولون في 10 ذي القعدة 270 هـ الموافق 10 مايو 883 م، بعد مرض ألمّ به أثناء حصار طرسوس. وصفه المؤرخون، ومنهم ابن الأثير، بأنه كان عاقلا حازما، محبا للعلماء، كثير الصدقة، مدافعا عن مصالح المسلمين. وبموته لم تنته تجربته، بل ترك وراءه دولة قوية أرست فكرة الاستقلال الإداري والمالي لمصر، ومهدت الطريق لتجارب سياسية لاحقة غيرت وجه المنطقة.



