الخميس الذي ابتلع البشر.. يوم سقطت شنشي تحت أقدام الأرض
شهد يوم الخميس الثالث والعشرين من يناير عام 1556 ما يُعد أعنف كارثة يومية في تاريخ البشرية، يوما فقد فيه العالم أرواحا أكثر من أي يوم واحد آخر، وكانت الغالبية الساحقة من هذه الوفيات في مقاطعة شنشي شمال غرب الصين، حيث تحولت الأرض نفسها إلى عدو مباشر للإنسان.
قصة سقوط شنشي
وقعت الكارثة نتيجة زلزال هائل سببه انزلاق صدعي وينان وهواشان، وكان مركزه قريبا من مدينة هواشيان، وقدرت حصيلة ضحاياه بنحو 830 ألف إنسان وفق تقديرات علمية حديثة، ليصبح هذا الزلزال الأكثر فتكا في التاريخ المسجل.
تشير السجلات إلى أن نحو ثلث الضحايا لقوا حتفهم فور وقوع الزلزال نتيجة انهيار المباني والمساكن الكهفية وحدوث الانهيارات الأرضية، بينما توفي الباقون لاحقا بسبب انتشار الأمراض والمجاعة خلال الأسابيع التالية، بعدما دُمرت مصادر الغذاء والمياه وانهارت الحياة اليومية بالكامل.
بلغت قوة زلزال شنشي ما بين 8 و8.3 درجات، ورغم أنه لا يُصنف كأقوى زلزال عرفته البشرية من حيث الشدة، فإنه يتصدر قائمة الزلازل الأكثر دموية على الإطلاق. ويأتي في المرتبة الثانية زلزال آخر ضرب الصين أيضا عام 1976 وأودى بحياة نحو 655 ألف شخص.
ومع الأخذ في الاعتبار أن عدد سكان العالم عام 1556 لم يكن يتجاوز نصف مليار نسمة، فإن خسائر شنشي تمثل أكبر فقدان نسبي للأرواح البشرية في يوم واحد، وقد تكون أيضا أعلى حصيلة مطلقة للوفيات خلال أربع وعشرين ساعة، رغم صعوبة الجزم بتاريخ اليوم الأكثر دموية على وجه اليقين.
في منتصف ليلة شتوية من ذلك اليوم، دون الباحث تشين كيدا شهادته عن الكارثة، وهي السجلات التي نقلها لاحقا الباحث الفرنسي جان بول بوارييه، وذكر أن عدد الموتى كان يفوق القدرة على الحصر، حيث سُحق الناس تحت الأنقاض، واستحال تسجيل جميع الأسماء. وأوضح أن نسبة الوفيات بلغت 70 في المئة في تونغوان وبوبان، و60 في المئة في هواين، و50 في المئة في وينان، و40 في المئة في لينتونغ، و30 في المئة في شيآن.
كانت شهادات شهود العيان أكثر قسوة من الأرقام نفسها، إذ تحدثت سجلات أسرة مينغ عن تشققات هائلة انفتحت في الأرض داخل مدن عديدة في شنشي. ووصف تشين المشهد قائلا إن منازل لا حصر لها دُمرت، ولم يكن يسمع سوى صرخات البشر في كل اتجاه.
مع بزوغ الصباح، خرج تشين يتفقد ما تبقى من مدينته، ليجد أن نصف المنازل قد انهار بالكامل، وكان الناس يتحركون باكين، يركضون في حالة فزع، يتنقلون بلا هدف، كأنهم سرب نحل فقد خليته فجأة.
سُجلت تفاصيل الزلزال أيضا على لوحة حجرية في مقاطعة خبي، جاء فيها أن الأرض اهتزت فجأة بعنف يشبه العاصفة، وأن الناس أصابهم الذعر وخرجوا من بيوتهم عاجزين عن الوقوف أو فهم ما يجري حولهم.
وتذكر روايات أخرى أن أكثر من عشر محافظات ومقاطعات، من بينها شيآن وهواتشو وتشيان وياو وسانيوان، شهدت في الوقت نفسه اهتزاز الأرض بصوت يشبه دوي الرعد، وتأرجحت أبراج بوابات المدن والأسوار والتحصينات والقصور الملكية والمساكن الرسمية ومنازل العامة والمستودعات والمكاتب والسجون، وانهارت معظمها انهيارا شبه كامل، بينما كان عدد القتلى بين السكان لا يمكن إحصاؤه.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ أعقبت الزلزال فيضانات واسعة في عدة مقاطعات، امتدت حتى مقاطعة شانشي المجاورة، حيث انشقت الأرض إلى أخاديد واندفعت المياه كأنها أنهار، وتدفقت مياه ساخنة من الآبار أو تفجرت من الأراضي المرتفعة. وفي الوقت نفسه، اندلعت حرائق هائلة التهمت مدينة بوتشو في شانشي، واستمرت الأرض تهتز أربعة أيام متتالية، دون أن ينطفئ الحريق أو يتوقف الدخان المتصاعد.
أحداث أخرى في سجل الدم
يعتقد أن أكثر أيام الحروب دموية وقع بين ليلتي التاسع والعاشر من مارس 1945، عندما شنت الولايات المتحدة غارة جوية على طوكيو عُرفت بعملية ميتينغ هاوس، وأسفرت عن مقتل نحو 100 ألف شخص في ليلة واحدة. وبالمقارنة، تشير التقارير إلى أن القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس من العام نفسه أدتا إلى مقتل نحو 66 ألفا و39 ألف شخص على التوالي.
أما فيضانات نهري يانغتسي وهواي عام 1931، فينظر إليها كثيرا على أنها أكبر كارثة طبيعية في التاريخ، ورغم الجدل الكبير حول عدد الضحايا، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن أكثر من مليوني إنسان فقدوا حياتهم في وسط وشرق الصين على مدار أربعة أشهر.
وبعد مرور ما يقرب من خمسة قرون على زلزال شنشي، لم يشهد العالم حتى اليوم يوما واحدا آخر بلغ هذا المستوى من الفتك، ليظل ذلك الخميس من يناير 1556 علامة سوداء في تاريخ البشرية، يوما انقلبت فيه الأرض على ساكنيها بلا رحمة.



