الشيخ عودة أبو تايه.. فارس الحويطات وصانع النفوذ القبلي في جنوب الشام
أسماء صبحي– في تاريخ القبائل العربية، برزت شخصيات لم يقتصر تأثيرها على محيطها المحلي، بل تجاوزته لتصبح لاعبًا رئيسيًا في تحولات إقليمية كبرى. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الشيخ عودة أبو تايه، أحد أبرز زعماء قبيلة الحويطات في جنوب الشام وشمال الحجاز. والذي ارتبط اسمه بالقوة القبلية، والقيادة العسكرية، والدور المحوري في أحداث الثورة العربية الكبرى مطلع القرن العشرين.
جذور الشيخ عودة أبو تايه القبلية
ولد الشيخ عودة أبو تايه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر داخل بيئة قبلية شديدة القسوة، حيث كانت الصحراء تصنع الرجال وتفرض قوانينها الصارمة. ةنشأ في قبيلة الحويطات، إحدى أقوى القبائل البدوية المنتشرة في مناطق العقبة، معان، تبوك، ووادي رم، وتربى على الفروسية وحماية الأرض والدفاع عن مصالح القبيلة.
منذ شبابه المبكر، عرف عودة أبو تايه بشخصيته القوية وجرأته غير المعتادة. مما أهله لقيادة قبيلته في سن مبكرة في وقت كانت فيه الزعامة القبلية تتطلب إجماعًا واحترامًا لا يُمنحان بسهولة.
زعامة لا تعرف المساومة
لم يكن عودة أبو تايه شيخًا تقليديًا، بل كان قائدًا ميدانيًا حاضرًا في ساحات القتال يقود الغزوات بنفسه ويشارك رجاله المخاطر. وقد أكسبه ذلك ولاءً مطلقًا من أبناء قبيلته، ورسّخ صورته كزعيم لا يتراجع أمام التهديدات.
اعتمد الشيخ عودة على التحالفات القبلية لتوسيع نفوذه. لكنه في الوقت ذاته لم يتردد في الدخول في صراعات دامية عندما شعر بأن مكانة قبيلته أو استقلالها مهددان. مما جعله شخصية مثيرة للجدل بين معاصريه.
دوره في الثورة العربية الكبرى
مع اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1916، وجد الشيخ عودة أبو تايه نفسه في قلب حدث تاريخي غيّر موازين القوى في المنطقة. وانضم إلى قوات الثورة، وساهم بخبرته القتالية ومعرفته الدقيقة بالصحراء في تنفيذ عمليات عسكرية مؤثرة. أبرزها الهجوم على مواقع استراتيجية في جنوب الشام.
لم يكن انضمامه مجرد تحالف عسكري، بل قرارًا قبليًا مدروسًا، هدفه تعزيز نفوذ الحويطات وضمان دور فاعل لها في المرحلة المقبلة. وقد اعتبر الشيخ عودة أحد أهم القادة القبليين الذين منحوا الثورة بعدها الشعبي والبدوي.
الشخصية والقيادة
اتسم الشيخ عودة أبو تايه بمزيج فريد من الصرامة والدهاء السياسي. وكان حاد الطبع، سريع الغضب، لكنه في الوقت ذاته يحترم العهود ويحافظ على كلمته، وهي صفة أساسية في المجتمعات القبلية. كما عرف بكرمه وحمايته للضعفاء داخل نطاق نفوذه، ما عزز مكانته الاجتماعية.
يقول الدكتور محمد حمدان، الباحث في تاريخ القبائل العربية وتاريخ البادية الشامية، إن الشيخ عودة أبو تايه يمثل نموذج الزعيم القبلي الذي جمع بين القوة العسكرية والذكاء السياسي. وتأثيره لم يكن نابعًا من السلاح وحده، بل من قدرته على قراءة التحولات الكبرى وتوظيفها لصالح قبيلته.
بعد انتهاء الثورة العربية الكبرى، واجه الشيخ عودة واقعًا جديدًا فرضته الدول الحديثة والحدود السياسية. ورغم تقلص الدور العسكري للقبائل، ظل يتمتع بمكانة اجتماعية كبيرة. واستمر اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية بوصفه أحد آخر فرسان الصحراء الكبار.



