حوارات و تقارير

جرينلاند بين الجليد والسياسة: قصة أكبر جزيرة غير قارية في العالم وصراع النفوذ الدولي

تعد جرينلاند أكبر جزيرة غير قارية في العالم، حيث يعيش على أراضيها حوالي 56,000 نسمة يتركزون على 20% فقط من مساحة الجزيرة غير المغطاة بالجليد، بينما يسيطر الجليد والثلوج على 80% من مساحتها وعلى الرغم من بعد المسافة عن الدنمارك بحوالي 3532 كيلومترًا، تظل الجزيرة مرتبطة بالدنمارك سياسيًا وثقافيًا لنحو ألف عام، وتتمتع بحكومة محلية مستقلة جزئيًا، كما أن لها ممثلين في البرلمان الدنماركي “فولكتنج” يعرف اسم الجزيرة باللغة المحلية “كالاليت نونات” ويعني أرض الشعب.

يتركز معظم السكان على الساحل بسبب قسوة مناخ القطب الشمالي، حيث ترتفع الكتل الجليدية أحيانًا إلى عدة طوابق تاريخيًا، كان الصيد البحري والبري الوسيلة الرئيسة للبقاء، نظرًا لقصر فصل الصيف الذي يجعل الزراعة شبه مستحيلة باستثناء أقصى جنوب الجزيرة حيث تنتشر تربية الأغنام ومع ذلك، حذر العلماء من انكماش الغطاء الجليدي نتيجة تغير المناخ، مما يفقد الجزيرة سنويًا نحو 110 ملايين متر مكعب من المياه، وهو حجم يعادل حمامات السباحة الأولمبية.

الحكم الذاتي والنظام السياسي

خضعت جرينلاند للحكم الدنماركي منذ أوائل القرن الثامن عشر حتى عام 1979، وأصبح الحكم الذاتي رسميًا في عام 2009 بعد استفتاء شعبي، وبموجب هذا النظام، يتمتع كل جرينلاندي بحقوق متساوية مع الدنماركيين، بينما تحتفظ الدنمارك بالسيطرة على الشؤون الدستورية والعلاقات الخارجية والدفاع، أما السلطة القضائية والتنمية الاقتصادية والتعليم والرعاية الاجتماعية والشؤون الثقافية والكنيسة، فتتبع للحكومة المحلية، مع احتفاظ الجزيرة بنسبة أكبر من عائدات النفط والمعادن.

يتكون برلمان الجزيرة “مجلس الإيناتسيسارتوت” من عدد من الأحزاب، أبرزها “سيوموت” الديمقراطي الاجتماعي الداعم لتقرير المصير مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الدنمارك، و”ديموكراتيت” المنشق عن سيوموت، و”أتاسوت” المحافظ الداعم للعلاقات التاريخية، وحركة “الإنويت أتاكاتيجيت” المطالبة بالاستقلال الكامل يقوم البرلمان بانتخاب رئيس الوزراء وأعضاء مجلس لاندستير المسؤول عن الإدارة التنفيذية للجزيرة.

الاقتصاد والصيد والسياحة

بعد عقود من الحكم الذاتي، تظل الدنمارك تقدم منحًا سنوية، ويعتبر صيد الفقمة المصدر الرئيسي للدخل، إلى جانب صيد الأسماك الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد، وتسعى جرينلاند إلى جذب السياح للاستمتاع بمشاهدة الجبال الجليدية والحيتان والدببة القطبية وغيرها من الحيوانات، كما حاولت تنويع الاقتصاد في مواجهة مخاطر الصيد الجائر، مع التركيز على قطاع السياحة.

كما لجأت الجزيرة لاستخراج المعادن منذ القرن العشرين، وافتتح أول منجم ذهب في 2004، مع الكشف عن رواسب من الحديد والنحاس واليورانيوم والموليبدينوم والماس ومع ذوبان الجليد نتيجة الاحتباس الحراري، أصبح استكشاف النفط والغاز أسهل، ما جذب شركات أجنبية للقيام بأعمال التنقيب والتعدين.

جرينلاند والحرب العالمية الثانية

شكلت الجزيرة موقعًا استراتيجيًا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تقع على مسار الرحلات الجوية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأيضا بين المناطق القطبية والاتحاد السوفيتي السابق، ما منحها أهمية كبيرة للولايات المتحدة لمراقبة المنطقة والدفاع عن مصالحها بعد الحرب، واصلت واشنطن التركيز على الجزيرة في إطار استراتيجيات الردع النووي والدفاع عن القارة الأمريكية.

الحلم الأمريكي وشراء الجزيرة

بدأ الاهتمام الأمريكي بالجزيرة منذ عام 1867 بعد شراء ألاسكا، واستمرت هذه الرغبة عبر قرون، من خلال محاولات لاحقة في 1910 و1946 لشراء جرينلاند من الدنمارك، إلا أن كوبنهاجن رفضت جميع العروض، كما حاولت الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في جرينلاند عبر قاعدة “ثول” الجوية التي أنشئت في الخمسينيات، لتصبح مركزًا لمراقبة المنطقة القطبية خلال الحرب الباردة، بما في ذلك رحلات التأهب الجوي والأسلحة النووية.

صفقة ترامب وجدل القرن الواحد والعشرين

أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اهتمامًا عالميًا حين أعلن عن رغبته في شراء جرينلاند عام 2019، معتبرًا أنها “صفقة عقارية كبيرة” لما تحويه الجزيرة من معادن ثمينة، وهو ما رفضته الدنمارك، وأثار جدلًا واسعًا حول السيادة الأمريكية على الأراضي الأجنبية، وأظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 85% من سكان الجزيرة يعارضون هذا الطموح، فيما أكدت الأحزاب السياسية المحلية عدم رغبتها في الانضمام للولايات المتحدة.

وأكد خبراء سياسيون أن رغبة ترامب تتعلق بالسياسة الاستراتيجية والاقتصادية، بما يشمل التحكم في الموارد الطبيعية، وخصوصًا النفط والمعادن والأراضي الغنية بالموارد الأساسية، إضافة إلى السيطرة على طرق بحرية هامة في القطب الشمالي، وتقليل النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.

الموارد الطبيعية وفرص التنمية

تضم جرينلاند ثروات معدنية هائلة تشمل الذهب، البلاتين، الزنك، الحديد، النحاس، النيكل، الكوبالت، اليورانيوم، والعناصر الأرضية النادرة مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، التي لها أهمية كبيرة في تقنيات الطاقة والتطبيقات العسكرية، وتعمل الحكومة المحلية على تشجيع الاستثمارات المعدنية والطاقة، مع الالتزام بشروط الاستغلال المستدام.

ومع استمرار ذوبان الجليد، يزداد الاهتمام الدولي بالجزيرة، حيث تعتبر استثمارات التعدين والطاقة والموارد المائية المستقبلية ضرورية لدعم اقتصادها وجعلها أكثر اعتمادًا على الذات، مع ضرورة إدارة المخاطر الأمنية الناتجة عن التدخلات الأجنبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى