عادات و تقاليد

“اليولة والعيالة”.. رقصة الحرب التي تحولت إلى هوية قبلية في الخليج

أسماء صبحي – في دول الخليج العربي، ما زالت بعض العادات القبلية تحافظ على حضورها القوي رغم التحولات الاجتماعية المتسارعة. ومن أبرز هذه العادات اليولة والعيالة، وهما من الفنون الشعبية القبلية التي تعود جذورهما إلى حياة البدو في شبه الجزيرة العربية. ولا تعد هذه العادة مجرد رقصة فولكلورية بل طقسًا اجتماعيًا يعكس مفاهيم الشجاعة والانتماء والوحدة. ويجسد علاقة الإنسان الخليجي بتاريخه القبلي.

أصول عادة اليولة والعيالة

نشأت هذه العادات في سياق حربي بحت، حيث كان رجال القبائل يؤدونها عقب الانتصارات أو قبل خوض المعارك، تعبيرًا عن الجاهزية القتالية ورفع الروح المعنوية. وكانت الصفوف المتقابلة من الرجال، وحركات الأجساد المتناسقة، ولوح الأسلحة التقليدية في الهواء تمثل رسالة واضحة عن قوة القبيلة وتماسكها. كما تعكس قدرتها على الدفاع عن أرضها وشرفها.

ومع مرور الزمن، تحولت هذه الممارسة من طقس عسكري إلى رمز اجتماعي وثقافي، يحتفظ بروحه القتالية لكنه يؤدي اليوم في مناسبات سلمية. مثل الأعراس، والاحتفالات الوطنية، والمهرجانات التراثية.

تفاصيل الأداء ودلالاته

تؤدى اليولة والعيالة عادةً من خلال اصطفاف الرجال في صفين أو أكثر، يحملون العصي أو البنادق الخفيفة أو السيوف، ويؤدون حركات متزامنة على إيقاع الطبول. وتعد الحركة الجماعية المتناسقة عنصرًا أساسيًا في هذا الفن، إذ تعكس وحدة الصف وروح الجماعة، وهي من القيم الأساسية في المجتمعات القبلية.

يرافق الأداء إلقاء أبيات من الشعر النبطي، تحمل معاني الفخر بالنسب، والإشادة بالشجاعة، وتمجيد القيم القبلية مثل الكرم والوفاء. وغالبًا ما يقود الأداء شخص ذو مكانة اجتماعية. بينما يردد المشاركون الأبيات في انسجام جماعي، ما يمنح الرقصة بعدًا شفهيًا يساهم في نقل التراث من جيل إلى آخر.

من ساحة القتال إلى ساحة الاحتفال

مع استقرار المجتمعات الخليجية وتراجع النزاعات القبلية، انتقلت اليولة والعيالة إلى فضاءات جديدة، وأصبحت جزءًا أساسيًا من المناسبات الاجتماعية. ففي الأعراس، ترمز الرقصة إلى الفرح والقوة والاستمرارية، بينما في الاحتفالات الوطنية تعبر عن الاعتزاز بالهوية والانتماء للوطن.

كما لعبت المؤسسات الثقافية دورًا بارزًا في إعادة إحياء هذا الفن وتقديمه للأجيال الجديدة، سواء من خلال المهرجانات أو المناهج التعليمية أو العروض الرسمية. مما ساعد في تحويله من ممارسة محلية محدودة إلى رمز ثقافي جامع.

ويؤكد الدكتور سالم المزروعي، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية، أن اليولة والعيالة ليست مجرد عرض احتفالي، بل تعبير حي عن الذاكرة الجمعية للقبائل الخليجية. حيث تتحول القيم المجردة مثل الشجاعة والتضامن إلى حركات وإيقاعات ملموسة.

ويشير إلى أن استمرار هذه العادة حتى اليوم يعود إلى قدرتها على التكيف مع الزمن. إذ احتفظت بجوهرها القبلي، لكنها اكتسبت أبعادًا ثقافية ووطنية أوسع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى