الجلوس حول النار للتداوي بالأعشاب.. عادة عربية قديمة في البادية الأردنية والسورية
أسماء صبحي – في عمق البادية الأردنية والسورية، لا تزال بعض القبائل البدوية تحافظ على عادة فريدة من نوعها، تتمثل في الجلوس حول النار للتداوي بالأعشاب الطبيعية. وهذه الطقوس ليست مجرد تجمع اجتماعي، بل وسيلة علاجية متوارثة عبر الأجيال تهدف إلى تحسين الصحة البدنية والنفسية، وتقوية الروابط الاجتماعية بين أفراد القبيلة.
أصل الجلوس حول النار للتداوي بالأعشاب
تعود جذور هذه العادة إلى مئات السنين، حيث كان البدو يعتمدون على الأعشاب المحلية مثل الزعتر والبابونج والشيح لعلاج الأمراض البسيطة والتخفيف من آلام الجسم. وكانت النار تلعب دورًا مزدوجًا؛ فهي توفر الدفء في الليالي الباردة، وتساعد على تبخير الأعشاب، ليتم استنشاق بخارها وفوائده العلاجية.
ويشير الخبراء إلى أن هذا التقليد لا يقتصر على العلاج فقط، بل يشكل جزءًا من الثقافة المجتمعية. إذ يجتمع كبار القبيلة مع الشباب لتبادل الخبرات والمعرفة حول الأعشاب وطرق استخدامها.
وقال الدكتور خالد الزعبي، أخصائي في الطب الشعبي والأعشاب في جامعة البلقاء التطبيقية بالأردن: “هذه العادة تمثل نموذجًا فريدًا للتداوي التقليدي، حيث تجمع بين الفائدة العلاجية والاجتماعية. ويساعد الجلوس حول النار على استرخاء الجسم والعقل، بينما تبخير الأعشاب يساهم في تحسين التنفس وتقوية المناعة.”
وأضاف الزعبي: “الأبحاث الحديثة بدأت تعترف بقيمة هذه الأعشاب في مكافحة بعض الالتهابات الموسمية وتحسين المزاج. وهو ما يوضح حكمة الأجداد في الحفاظ على صحتهم بالطرق الطبيعية.”
الطقوس والممارسات
تتضمن هذه العادة تجهيز مساحة مفتوحة، عادة في ساحة البيت أو وسط المخيم. حيث تضاء النار ويتم وضع أواني صغيرة تحتوي على الأعشاب فوقها. يجلس الأفراد حولها بشكل دائري. ويستنشون الأبخرة الصاعدة من الأعشاب لمدة محددة، تتراوح بين عشرين إلى ثلاثين دقيقة حسب نوع العشب والحاجة العلاجية.
كما تصاحب هذه العادة ببعض الطقوس الاجتماعية، مثل سرد القصص الشعبية أو أداء بعض الأغاني البدوية التقليدية. مما يجعل التجربة ممتعة ومفيدة من الناحيتين الجسدية والنفسية.
انتقال العادة للأجيال الحديثة
رغم التقدم الطبي والحياة الحضرية، إلا أن بعض العائلات البدوية في الأردن وسوريا ما زالت تحرص على تعليم أبنائها هذه العادة، معتبرين إياها إرثًا ثقافيًا يجب الحفاظ عليه. كما بدأت بعض المراكز السياحية في الأردن وسوريا استغلال هذه العادة ضمن برامج السياحة الثقافية، لتعريف الزوار بالعادات التقليدية والتجارب العلاجية القديمة.
الأثر الصحي والاجتماعي
تثبت الدراسات أن التعرض لبخار الأعشاب الطبيعية يمكن أن يقلل من التوتر النفسي ويحسن من وظائف الجهاز التنفسي. بينما يعزز الجلوس حول النار من التلاحم الاجتماعي ويزيد من شعور الانتماء الجماعي.



