المضافة البدوية.. تقليد عربي راسخ يحافظ على روح الكرم والتكافل في مجتمعات الشرق الاوسط
أسماء صبحي- لا تزال المضافة البدوية واحدة من أبرز العادات الاجتماعية المتجذرة في المجتمعات العربية في الشرق الاوسط. خاصة في مناطق البادية في الاردن وفلسطين وشبه الجزيرة العربية. حيث تمثل هذه العادة صورة حية لقيم الكرم والتعاون والضيافة التي توارثتها الاجيال عبر مئات السنين. وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية السريعة التي شهدتها المنطقة في العقود الاخيرة. فإن المضافة ما زالت تحافظ على حضورها ودورها الاجتماعي، باعتبارها مركزا للتواصل الاجتماعي وحل النزاعات واستقبال الضيوف.
مفهوم المضافة البدوية
تقوم فكرة المضافة على تخصيص مكان داخل المنزل او بجواره يكون مفتوحا دائما لاستقبال الزوار والضيوف، سواء كانوا من الاقارب او الغرباء. ويحرص اصحاب البيت على تجهيز هذا المكان بكل ما يلزم من مفروشات تقليدية ومقاعد عربية. اضافة الى القهوة العربية والتمر التي تعد رمزا اساسيا للضيافة في الثقافة البدوية. وتعد المضافة في جوهرها مساحة مشتركة بين افراد المجتمع. حيث يجد الضيف ترحيبا فور وصوله دون الحاجة الى دعوة مسبقة.
ولا تقتصر وظيفة المضافة على استقبال الضيوف فقط، بل تتجاوز ذلك لتصبح مساحة للتشاور واتخاذ القرارات المجتمعية وحل الخلافات بين افراد العشيرة. وغالبا ما يجتمع كبار العائلة في المضافة لمناقشة القضايا اليومية، او لتقديم النصح للشباب او حتى لعقد جلسات الصلح بين الاطراف المتنازعة. مما يمنحها دورا اجتماعيا محوريا.
المضافة كرمز للمكانة والوجاهة الاجتماعية
في المجتمعات البدوية التقليدية، تعد المضافة علامة على مكانة العائلة وسمعتها، اذ يرتبط الكرم وحسن استقبال الضيوف بمفهوم الشرف والوجاهة الاجتماعية. وكان من المعتاد ان تبقى المضافة مفتوحة طوال اليوم، حيث يمكن لاي مسافر او عابر سبيل ان يجد فيها مكانا للراحة والطعام دون سابق معرفة او موعد. ويعد اغلاق المضافة او التقصير في الضيافة امرا غير مقبول اجتماعيا في كثير من البيئات البدوية.
وقد شكلت هذه العادة عبر التاريخ شبكة امان اجتماعي غير رسمية، ساهمت في تعزيز قيم التضامن والتكافل بين افراد المجتمع. فالضيف في الثقافة البدوية يحظى باحترام كبير، ويعامل معاملة خاصة تعكس قيم الشهامة والكرم التي يعتز بها المجتمع.
تحولات المضافة في العصر الحديث
مع تطور الحياة الحديثة وانتقال الكثير من سكان البادية الى المدن. شهدت المضافة تحولات في شكلها ووظيفتها، لكنها لم تختف تماما. ففي العديد من المدن والقرى الاردنية والفلسطينية، ما زالت بعض العائلات تحتفظ بالمضافة داخل منازلها. وتستخدمها لاستقبال الضيوف وعقد الاجتماعات العائلية والمناسبات الاجتماعية.
كما تحولت بعض المضافات الى معالم تراثية وسياحية تستقطب الزوار الراغبين في التعرف على نمط الحياة البدوية الاصيلة. وفي بعض الدول، يتم تصميم اماكن حديثة تحاكي شكل المضافة التقليدية داخل البيوت الجديدة او في الاستراحات الخاصة. في محاولة للحفاظ على روح العادة مع التكيف مع نمط الحياة المعاصر.
دور المضافة في حفظ التراث ونقل القيم
يؤكد الباحثون في التراث الشعبي ان استمرار هذه العادة يعكس تمسك المجتمعات العربية بجذورها الثقافية رغم مظاهر الحداثة. فالمضافة لا تمثل مجرد مكان مادي، بل تعبر عن منظومة قيم متكاملة تقوم على احترام الضيف وتقدير الكبير وتعزيز الروابط الاجتماعية. كما تلعب دورا في نقل التقاليد والاعراف من جيل الى اخر، من خلال المجالس التي تجمع كبار السن بالشباب وتتيح تبادل الخبرات والحكايات.
وفي هذا السياق، قال الدكتور احمد السالم، الباحث في التراث الاجتماعي والانساني في جامعة اليرموك، إن المضافة البدوية تعد من اهم المؤسسات الاجتماعية التقليدية في المجتمعات العربية موضحا ان المضافة لم تكن فقط مكانا للضيافة، بل كانت مؤسسة مجتمعية متكاملة تقوم بوظائف اجتماعية وثقافية وسياسية. حيث كانت تعقد فيها المجالس لحل النزاعات واتخاذ القرارات الجماعية، وهو ما يعكس طبيعة التنظيم الاجتماعي في المجتمعات البدوية”. واضاف ان هذه العادة ما زالت تلعب دورا رمزيا مهما حتى اليوم وتسهم في تعزيز الهوية الثقافية في ظل العولمة.



