وشم الدق.. ذاكرة القبيلة المنقوشة على الجسد في المجتمع الكردي
أسماء صبحي – في مناطق متفرقة من الشرق الأوسط، وتحديدًا في المجتمعات الكردية الممتدة بين جنوب تركيا وشمال سوريا وشمال العراق. برزت عبر قرون طويلة عادة قبلية فريدة تعرف باسم وشم الدق، وهي ممارسة تقليدية تجاوزت كونها مجرد زينة جسدية لتصبح لغة صامتة تعبر عن الهوية والانتماء والمكانة الاجتماعية داخل القبيلة.
عادة وشم الدق
لم يكن الدق وشمًا عشوائيًا أو اختيارًا شخصيًا محضًا، بل ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنية القبلية والعادات الاجتماعية. ففي الماضي، كانت الفتيات الصغيرات يخضعن لهذه العملية في سن مبكرة. وغالبًا ما يتم ذلك بموافقة الأسرة وكبار العائلة باعتبار الوشم خطوة من خطوات الانتقال من الطفولة إلى مراحل عمرية جديدة.
أما الرجال، فكان الوشم أقل شيوعًا بينهم، وغالبًا ما يستخدم لأغراض رمزية محددة مثل الحماية أو الدلالة على الشجاعة أو الانتماء القبلي. وبمرور الوقت، أصبح الدق أشبه ببطاقة هوية غير مكتوبة تقرأ من خلال الرموز والأشكال المرسومة على الجسد.
رموز بسيطة تحمل دلالات عميقة
تتنوع أشكال الدق بين الخطوط المستقيمة، والنقاط، والدوائر، والرموز النباتية والهندسية، وغالبًا ما توضع على أماكن ظاهرة مثل الوجه، اليدين، الذقن، أو الكاحل. لكل رمز معنى خاص، فقد يدل شكل معين على الخصوبة، بينما يشير آخر إلى الحماية من الحسد أو الأرواح الشريرة. في حين تستخدم بعض النقوش للتعبير عن الجمال أو التميز.
وكان اختيار الشكل والمكان يخضع أحيانًا لتقاليد صارمة داخل القبيلة. فلا يسمح باستخدام بعض الرموز إلا لأسر معينة أو في مناسبات اجتماعية محددة، مما يعكس البعد التنظيمي لهذه العادة.
طقوس تنفيذ الوشم
تنفذ عملية الدق بأدوات بدائية بسيطة، مثل الإبر المعدنية أو الأشواك الحادة، ويستخدم خليط من الفحم أو السخام مع مواد طبيعية لصبغ الجلد. وغالبًا ما تتولى هذه المهمة امرأة مسنّة معروفة بخبرتها في هذا المجال داخل المجتمع المحلي. وتجرى العملية وسط طقوس تتخللها أغانٍ شعبية أو دعوات للحماية والسلامة.
ورغم الألم المصاحب للعملية، كان ينظر إليه باعتباره جزءًا طبيعيًا من الطقس، ودليلًا على القوة والتحمل خصوصًا لدى النساء.
تراجع العادة في العصر الحديث
مع التحولات الاجتماعية والدينية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة بدأ الدق في التراجع التدريجي. فقد أسهمت الهجرة إلى المدن، وانتشار التعليم، وتغير النظرة الدينية والاجتماعية إلى الوشم، في تقليص هذه الممارسة إلى حد كبير.
كما لعبت العولمة وانتشار ثقافة الوشوم الحديثة دورًا في استبدال الرموز التقليدية بأشكال عالمية لا تحمل نفس الدلالات القبلية. مما جعل الدق يبدو في نظر الأجيال الجديدة ممارسة قديمة لا تتماشى مع نمط الحياة المعاصر.
محاولات للحفاظ على التراث
رغم هذا التراجع، ظهرت في السنوات الأخيرة محاولات جادة لإعادة الاعتبار لهذه العادة. ليس بالضرورة من خلال ممارستها فعليًا، ولكن عبر توثيقها في الفنون التشكيلية، والتصوير الفوتوغرافي، والأبحاث الثقافية. وحتى في تصميم الأزياء المستوحاة من رموز الدق.
في هذا السياق، تقول الدكتورة نجلاء خليل، أستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية والمتخصصة في دراسات المجتمعات القبلية، إن وشم الدق يعد سجلًا ثقافيًا حيًا. فهو يجمع بين المعتقد الشعبي والبنية الاجتماعية والهوية الجماعية. وما نراه اليوم من تراجع لا يعني اندثاره، بل تحوله من ممارسة يومية إلى رمز ثقافي يُعاد إنتاجه بطرق مختلفة تتناسب مع العصر.



