جزر الكناري: الخلود والطبيعة والأندلس المفقود
جزر الكناري، أو كما يطلق عليها الجزر الخالدات، الجزائر الخالدات، جزائر السعادة، هي أرخبيل إسباني يقع في قلب المحيط الأطلسي، مشرئبًا نحو الساحل الغربي لأفريقيا، مقابل الصحراء المغربية ومدينة العيون، وتشكل جزءًا من سبع عشرة منطقة حكم ذاتي في إسبانيا، وتنقسم إلى مقاطعتين رئيسيتين: لاس بالماس وسانتا كروث دي تينيريفه.
تتألف جزر الكناري من تينيريفه، فويرتيفنتورا، كناريا الكبرى، لانزاروت، لا بالما، كوماراو، الهير ولا غراثيوسا، وهناك روايات مختلفة عن أصل الاسم؛ فالأرجح أنه مشتق من اللاتينية Canariae Insulae أي “جزر الكلاب”، نسبةً إلى كلاب البحر أو الكلاب الأليفة التي عبدها السكان الأصليون “الغوانش” الأمازيغ، والطريف أن طائر الكناري أخذ اسمه من الجزر وليس العكس، مما يعكس أصالة هذه الأرض وتاريخها العريق.
غران كناريا: الطبيعة الساحرة والتنوع الأخاذ
زار الرحال جزر الكناري من ألمانيا عبر زيورخ، فوجد نفسه في أرض مبهرة بطبيعتها الخلابة، وجمالها البديع، حيث تمتزج الكثبان الرملية القادمة من الرياح الصحراوية مع التلال والجروف المذهلة والشواطئ الرائعة، الجزيرة بركانية في تكوينها، تتدرج ألوانها من الأخضر إلى الأصفر، وصولًا إلى الأحمر، مع امتداد المحيط الأزرق الفيروزي، وكأنها لوحة فنية تأسر العيون وتخاطب الروح.
هذه الجزر، كما شهد التاريخ، كانت نقطة عبور لسفن كولومبوس لتزود بالمؤن، ورغم قربها من الساحل الإفريقي، ظلّت محافظة على سحرها وبعدها عن العالم، ممثلةً تمازجًا فريدًا بين الطبيعة الإفريقية، الثقافة الأمازيغية، والهوية الإسبانية الأندلسية.
الأثر الثقافي العربي والأمازيغي
يذكر الكاتب رحلته مع صديقه الصحفي عبد الحي كريط، الذي أشار إلى أن الثقافة واللغة في الجزر تحمل جذورًا أمازيغية واضحة، وقد حورّت بالإسبانية، لكنها لا تنكر التأثير العربي والإسلامي، بما يعكس تاريخ الأندلس وتراثها الممتد حتى هذه الجزر ويربط الرحّال بين هذه التجربة وبين قراءة رواية عبد الإله بن عرفة عن ابن الخطيب، حيث تتجلى قيم الثقافة العربية، والأدب الراقي، ورسالة التاريخ المتصلة بالأندلس المفقودة.
كما يستحضر الرحال الأدب والشعر العربي المعاصر، مثل قصيدة رئيس وزراء السودان السابق محمد أحمد المحجوب، ورواية رضوى عاشور، لتذكيره بالأندلس المفقودة وربطها بما تحمله جزر الكناري من إرث أمازيغي عربي إسباني، وكأنها جسر بين الحاضر والماضي، بين البحر والمحيط، بين إفريقيا وأوروبا.
جزر الكناري ليست مجرد أرخبيل جميل، بل كنوز طبيعية وثقافية تحمل بصمات الأندلس والموروث الأمازيغي العربي، وتبرز أهمية استذكار التاريخ والارتباط بالتراث
عند زيارة هذه الجزر، يشعر المرء بمزيج من السحر والجمال، يذكره بالأجداد والأصول، ويغمره شعور بالعراقة والانتماء، كما لو كان يقف على مفترق طرق بين الماضي والحاضر، بين الحلم والواقع، وبين البحر والصحراء.
فعلاً، الجزر الخالدات تظل شاهدة على جمال الطبيعة وروعة التاريخ، وتدعونا للتأمل في قصص الأندلس المفقودة، والأرواح التي عبرت من هناك لتصنع حضارة جديدة على هذه الأرض الساحرة.



