وشم الجسد بين الماضي والحاضر: حكاية الهوية التي كتبتها القبائل على البشرة

أكدت دراسات العلماء في ممالك النوبة القديمة بشمال السودان أن الوشم ظل علامة متجذرة منذ العهد المروي الكوشي، حيث ظهر على منحوتات البجا والنوبة، ثم تبنته الممالك النوبية المتعاقبة مثل علوة والمقرة وسوبا وكبوشية ونوباتيا، ومع انتصار تحالف الفونج والعبدلاب وسقوط مملكة سوبا في عام 1505، واصل المسلمون من المستعربة والعرب ثقافة الوشم داخل المشيخات والمجتمعات الجديدة، فصار جزءا من ملامح الناس وذاكرتهم.
قصة وشم الجسد قديما
استمرت هذه الممارسة حتى اليوم، وتبنتها قبائل عديدة من النوبة في الغرب والشمال، والفور والزغاوة في الغرب، والبرتا في النيل الازرق، والمجموعات النيلية في الجنوب، إضافة إلى الشايقية والجعليين وعدد كبير من القبائل الوافدة من غرب ووسط افريقيا، وكذلك بعض الحضر في مناطق واسعة من السودان.
ظهر الوشم في أشكال متعددة، فكان البجا والنوبة يضعون ثلاثة خطوط افقية على الخدين، بينما انتشرت خطوط ورسوم اخرى على البطن والساعدين والوجه والكتفين والخدين والصدغين، واحيانا قليلة على الساقين والظهر.
ومع مرور الزمن اختفت بعض العلامات وبقي بعضها، خاصة تلك الناتجة عن الكي والجروح المرتبطة بعلاج امراض مثل اليرقان والرمد والاستسقاء، إذ اعتقد كثير من السودانيين بفائدتها الصحية.
تتعدد الاسئلة حول سبب استخدام وشم الجسد قديما وكيف وصل الى الحاضر، ويرى الدارسون انه كان وسيلة جمالية، ووسيلة لتمييز القبائل والمجموعات السكانية والعقدية، لذلك ظهر وشم الشايقية بثلاثة خطوط افقية، ووشم الجعليين بشكل حرف T، ووشم النوير بثلاثة خطوط على شكل V، اما الدينكا فميزتهم ازالة الاسنان الامامية مع خطوط وسط الجبهة، وميز البجا خطوط راسية في الخدين، كما كانت طرق صوفية معروفة تعتمد وشوما خاصة بمرشديها.
وخلال المائة سنة الماضية تحول الوشم لميزة جمالية تغنى بها الشعراء والمطربون بكل اللغات المحلية، فأصبح وشم الخدين والشفاه رمزا للجاذبية، مما جعل هذه العادة تستمر جيلا بعد جيل.
لكن المتابعة الدقيقة لتقاليد النوبة وبعض المجموعات النيلية تشير الى ان وشم الجسد لعب دورا اكبر من الجمال، فقد كان وثيقة للتعريف والاتصال، خاصة في ظل ظاهرة التعري التي مارسها افراد بعض القبائل عند دخولهم القرى، كان الشخص يخلع ملابسه ويحملها على كتفه، ليظهر جسده المليء بالرموز التي تخبر السكان عن عمره، وشجاعته، واسرته، وامراضه السابقة، وحروبه، وحتى صفاته الشخصية، اما الفتاة فكانت تحمل رموز الزواج وترتيبها بين اخوتها.
بهذه الطريقة لا يستطيع احد دخول قرية دون ان يعرف الجميع هويته وسبب قدومه، وكان الرجل الباحث عن زوجة يضع وشما من الرماد على جسده، بينما كان التعري وسيلة لاظهار العلامات للجميع في مجتمعات لا تعرف القراءة او الكتابة ولا تستخدم الاوراق في حياتها، لذلك تحول الجسد الى وثيقة دائمة، لا تتلف وترافق صاحبها طوال حياته وحتى بعد موته.
وبسبب ذلك استمر الوشم لدى المجموعات العربية المسلمة الوافدة الى السودان رغم انه غير موجود في تقاليدهم، وكانت الحاجة لاثبات الهوية اقوى من رفضهم له، فاعتمدوه كبديل للاوراق الرسمية غير الموجودة حينها.
كما امتد استخدام الوشم للحيوانات، وعرف حينها بالوسم، حيث كانت الاغنام توسم في الاذن، والحمير والابقار في الرقبة، وعاش الكاتب هذه التجربة في طفولته، فقد كان افراد اسرته يحملون وشوما مثل خالته بثلاث علامات في وجهها، واصدقاء والدته من البرنو الذين وضعوا وشما في جبهتها، اما هو فحمل وشوما بسبب امراض العين واليرقان وكثرة شجاراته، قبل ان يضيف له شرطي وشما مؤلما في صدغه بسبب نشاطه السياسي.



