الضيافة القبلية في الشرق الأوسط.. ثلاثة أيام بلا سؤال في تقليد يحكمه الشرف قبل الطعام
أسماء صبحي – رغم التحولات الاجتماعية المتسارعة في الشرق الأوسط، لا تزال بعض العادات القبلية القديمة حاضرة بقوة. وفي مقدمتها عادة الضيافة القبلية التي تعد من أقدس القيم الاجتماعية لدى القبائل العربية. ولا تقتصر هذه العادة على تقديم الطعام والشراب، بل تشكل نظامًا أخلاقيًا متكاملًا يقوم على الكرم، وحماية الضيف، واحترام الإنسان، بغض النظر عن هويته أو سبب قدومه.
في المجتمعات القبلية، خاصة في البيئات الصحراوية والريفية، ينظر إلى الضيف على أنه أمانة، واستقباله واجب لا يقبل النقاش. وتقوم القاعدة الأساسية لهذا التقليد على استضافة الضيف ثلاثة أيام كاملة دون توجيه أي سؤال له عن اسمه أو غايته أو خلفيته. خلال هذه الفترة، يقدم له الطعام والمأوى والحماية، وكأنه أحد أفراد القبيلة.
طقوس الضيافة القبلية
تبدأ الضيافة عادة بطقس ثابت لا يتغير وهو تقديم القهوة العربية. فالقهوة ليست مجرد مشروب، بل رمز للسلام والترحيب، وإعلان غير مكتوب بأن الضيف أصبح في حمى المكان. وتحمل طريقة التقديم نفسها دلالات خاصة، من ترتيب الجلوس، إلى عدد الفناجين، وحتى حركة يد المضيف. وكلها إشارات يفهمها أبناء القبائل دون شرح.
بعد القهوة، يقدم الطعام، وغالبًا ما يكون من أفضل ما تملكه الأسرة حتى لو كانت مواردها محدودة. ويعتبر التقصير في إكرام الضيف عيبًا اجتماعيًا قد يلاحق العائلة أو القبيلة لسنوات بينما يُكسب الكرم سمعة طيبة ومكانة رفيعة.
الضيف في حماية القبيلة
أحد أهم أبعاد الضيافة أن الضيف يتمتع بالحماية الكاملة طوال فترة إقامته. فلا يجوز الاعتداء عليه أو إيذاؤه أو حتى توبيخه، مهما كانت الخلافات القائمة خارج حدود المكان. وفي بعض المناطق، تمتد هذه الحماية إلى مرافقة الضيف في طريقه عند المغادرة تأكيدًا على حسن النية واحترام العهد.
هذه الحماية ليست تصرفًا فرديًا، بل التزام جماعي تتحمله القبيلة، وينظر إلى أي انتهاك له باعتباره مساسًا بالشرف الجمعي. لذلك، كانت الضيافة القبلية تاريخيًا أحد العوامل التي ساهمت في الحد من النزاعات وخلقت مساحات آمنة للتواصل حتى بين الخصوم.
ويؤكد الدكتور سامي العتيبي، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية والمتخصص في الثقافة القبلية العربية، أن الضيافة ليست مجرد عادة اجتماعية، بل نظام قيم متكامل، قائلًا: “الضيافة القبلية في الشرق الأوسط هي عقد أخلاقي غير مكتوب، يقوم على الشرف والالتزام. في المجتمعات التقليدية، كان إكرام الضيف وسيلة لإثبات قوة القبيلة، ليس بالسلاح، بل بالأخلاق. وساهم هذا التقليد في بناء الثقة بين الجماعات، وحافظ على تماسك المجتمع في ظروف بيئية صعبة”.



