كتابنا

د . محمد الخشت يكتب … لماذا تغلبت الرؤية السحرية للعالم؟

لا شك عندي في أن سيطرة منهج التفكير المنكر لعلاقة الضرورة والكلية في قوانين الطبيعة، يعد واحدًا من أهم الأسباب الرئيسة التي أسهمت في تغييب الفكر العلمي من العقل العربي الجمعي، وتغليب الرؤية السحرية للعالم. ونظرا لسيطرة هذا المنهج من التفكير على جانب كبير من العقل العربي الجمعي، فإن الأمر يتطلب تحليل مرتكزاته التي تتعارض مع الإبستيمولوجية الحاكمة للعقل العلمي.

 

ومن أخطر ما فعله هذا المنهج ضد العقل العلمي، هو إنكار مبدأ السببية، وإنكار الرابطة الضرورية بين الأسباب والمسببات، حيث اعتبر أن الرابطة بينهما هي مجرد اقتران غير ضروري، وهو اقتران يرجع إلى مجرد العادة، وقد يحدث في لحظة ولا يحدث في لحظة اخرى.

إنه اقتران يجريه الله بتدخله المستمر، فالنار عنده لا تحرق لصفة ذاتية فيها، وأيضا الماء لا يروي الظمآن لصفة ذاتية فيه! ويمكن أن أضرب مثلا على هذا النوع من التفكير، من كتاب (تهافت الفلاسفة)، حيث نجد الغزالي في المسألة السابعة عشرة يقول: «الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً، وبين ما يعتقد مسبباً، ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمناً لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمناً لنفي الآخر؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جراً إلى كل المشاهدات، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف» (تهافت الفلاسفة ص 239).

هكذا تسقط القوانين الحاكمة للطب وعلم الفلك وعلوم الصناعة والحرف! وهكذا يكون جز الرقبة لا ينتج عنه الموت بالضرورة! فيمكن حسب قوله: «إدامة الحياة مع جز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع المقترنات»!

هكذا نحن نعيش في فيلم من أفلام هيوليوود، فالسقوط من برج شاهق لا يميت، وتفجير قنبلة في البطل لا تميته!

وكأنهم يظنون أن القول بأن النار تحرق لذاتها والماء يروي لذاته سوف يتعارض مع القول بالقدرة الإلهية، وكأن الله (تعالى عن ذلك) خلق الكون كآلة يدوية بدائية ناقصة تحتاج لتدخل صانعها بشكل مستمر، مثل السيارة الخربة التي تحتاج للميكانيكي في كل لحظة! (سبحانه وتعالى عما يصفون). ويظنون أن القول بثبات قوانين الطبيعة يتعارض مع القول بالمعجزات! مع أننا نؤمن بالمعجزات وفي الوقت نفسه نؤمن بثبات قوانين الطبيعة (ولهذا حديث آخر مفصل إن شاء الله).

هل لم يفكر منكرو ضرورية قوانين الطبيعة، في أن الأكثر دلالة على قدرة الله،أن يخلق أشياء تعمل ذاتياً بدون تدخل مستمر؟ أليس هذا دليلا أكبر على قدرة أعظم؟ هل الصانع الذي يصنع آلة تحتاج إلى تدخل مستمر، أعظم من المبدع الذي يصنع آلة ذاتية الحركة والعمل؟

لقد فتح رفض السببية في الطبيعة، الباب لعقلية الخرافة وكرس الرؤية السحرية للعالم الطبيعي، وأدى إلى الشك في قوانين الطبيعة التي خلقها الله بقدر محسوب ودقيق، مع أن القرآن نفسه يوكّد: «إنا كل شيء خلقناه بقدر» (القمر: 49). فهذه الآية تدل دلالة قطعية على: الضبط، والحساب، والانتظام. فالقدر في الاستعمال العربي والقرآني يدل على: التحديد، والقياس، والضبط، ووضع الشيء في موضعه المناسب. وهذا ما تؤكده الآيات الأخرى الكريمة:

«وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيرًا« «وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ». فالدلالة القطعية هنا هي: إحكام النظام. وكل موجود له مقدار، وله حدود، وله نسب وعلاقات مضبوطة. وأن هذا الضبط: شامل للكمّ، وللكيف، وللزمان والمكان. وهذا ينسجم تمامًا مع: بنية الكون الرياضية، وقابلية الظواهر للصياغة القانونية العلمية. وهذا ما يؤكده الوحيفي مواضع كثيرة، مثل:

(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) (الملك : 3-4). فالكون منتظم على نسق ثابت، وأن الملاحظة المتكررة تؤدي إلى نتيجة متطابقة. وهذا هو الأساس المنهجي لفكرة «قوانين الطبيعة». فالآيتان تثبتان الاطراد والانتظام اللذين تقوم عليهما السببية العلمية التي ينكرها البعض ويرجعها إلى مجرد العادة.

أضف إلى ذلك ثبات السنن الإلهية الذي أكده الوحي الكريم : «وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (الأحزاب: 62). والمقصود بـ«سُنّة الله» : الطريقة الجارية، والنمط المتكرر، والقانون المطّرد. وفي الاستعمال القرآني: هي القوانين الثابتة التي يجري بها التاريخ والكون. وتشمل: سننًا كونية وسننًا اجتماعية وتاريخية وسننًا أخلاقية. ولا تعارض في هذا مع ميكانيكا الكم في منطقها الاحتمالي الذي يستدل به- خطأ- منكرو ثبات قوانين الطبيعة (ولهذا أيضًا حديث مفصل إن شاء الله). وأيضا لا يُحتج هنا بديفيد هيوم لأنه لم ينكر الضرورة والكلية في فيزياء نيوتن، بل اتخذها نموذجاً يحتذى (انظر كتابنا: العقل وما بعد الطبيعة).

إن القول بثبات واطراد قوانين الطبيعة، يؤسس لعقلانية الكون، وإمكان العلم، دون تأليه الطبيعة، ودون نزع السببية منها في الوقت نفسه. وهذا بالضبط ما يجعل المفهوم صالحًا اليوم لتجديد الخطاب الديني: خطاب يؤمن بالله بلا حدود ويحترم آيات القرآن وسنن الكون، دون أن يسقط في المادية أو إنكار الالوهية.

والمشكلة أن قولهم بعدم وجود ارتباط ضروري بين قطع الرقبة والموت، لم يكن مجرد رأي كلامي عابر مثل كثير من الآراء الكلامية التي لم يتجاوز تأثيرها صفحات الكتب، بل كان تأسيساً لـ«عقلية الخرافة». فبمجرد زعزعة قوانين الطبيعة، أصبح العقل الجمعي مهيأً لقبول أي أساطير أو خوارق غير منضبطة، مما أدخل المسلمين – باستثناء حالات قليلة- إلى عصور الدروشة والنوم العميق عن مواصلة حركة التقدم العلمي الذي التقطته أوروبا بعد ذلك. لا سيما أن لحظة زيادة انتشار إنكار السببية في قوانين الطبيعة، جاءت مواكبة للحظة بدء تحلل العصر الذهبي للحضارة الإسلامية بعد دخول الخلافة العباسية في طور الاضمحلال التدريجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى