مرأه بدوية

غيرترود بيل خاتون بغداد التي رسمت الشرق بيد ناعمة

تمثل غيرترود بيل واحدة من أكثر الشخصيات البريطانية تأثيرا في تاريخ المنطقة العربية الحديث، رغم أن اسمها ظل لسنوات طويلة بعيدا عن الضوء، مقارنة بمواطنها توماس إدوارد لورنس المعروف بلورنس العرب، فقد لعبت بيل دورا محوريا في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وبالأخص العراق، خلال مرحلة انهيار الدولة العثمانية وصعود النفوذ البريطاني، حتى لُقبت لاحقا بالخاتون في العراق، في دلالة على حضورها الطاغي ونفوذها الواسع.

من هي غيرترود بيل

ولدت غيرترود بيل عام 1868 في إنجلترا، داخل أسرة أرستقراطية ميسورة، وتلقت تعليما مميزا قادها للتخرج بامتياز من قسم التاريخ في جامعة أوكسفورد، وهو إنجاز نادر لامرأة في ذلك الزمن وبعد التخرج، عاشت فترة من حياتها ضمن تقاليد الطبقة المخملية في أواخر القرن التاسع عشر، متنقلة بين الحفلات الاجتماعية والدوائر الراقية، إلا أن شخصيتها كانت مختلفة، فقد امتلكت شغفا غير مألوف بالمغامرة وتسلق الجبال، حتى أن إحدى قمم جبال سويسرا في مقاطعة بيرن حملت اسمها تخليدا لجرأتها.

لم تستمر بيل طويلا في نمط الحياة الأرستقراطية، إذ تخلت عن بيئتها المريحة لتتجه نحو الشرق، الذي أصبح شغفها الأول وميدان دورها الأهم، وكانت بداية رحلتها من بلاد فارس، حيث أقامت مع عمتها زوجة السفير البريطاني في طهران، وهناك دخلت عالم الشرق الأوسط، وتعرفت على تفاصيله السياسية والاجتماعية وفي تلك المرحلة عاشت تجربة عاطفية انتهت نهاية مأساوية بانتحار حبيبها الذي كان يعمل في السفارة البريطانية، وهو حدث ترك أثرا عميقا في حياتها ودفعها للتفرغ للترحال والاستكشاف والعمل البحثي.

بدأت مسيرتها الشرقية من بلاد الشام، لا سيما فلسطين وسوريا، حيث اختلطت بالمجتمعات المحلية وعايشت تفاصيل الحياة اليومية، وخرجت من تلك التجربة بكتابها الشهير سوريا الصحراء، الذي تحول لاحقا إلى مرجع مهم لدارسي تاريخ المنطقة، ثم واصلت رحلتها إلى حائل في الجزيرة العربية، وقطعت الصحارى على ظهور الجمال، وتعرفت على شيوخ القبائل، وبنت شبكة علاقات قوية بفضل إتقانها اللغة العربية وفهمها العميق للبنية العشائرية.

لم تكن رحلات بيل بريئة أو محايدة كما كانت تعلن، فبينما رفعت شعار البحث الأثري ودراسة المجتمعات، حملت في حقيقتها مهمة سياسية واستخباراتية، تمثلت في دراسة أوضاع دولة آل رشيد في الحجاز، والتواصل مع القبائل العربية، ورفع تقارير تفصيلية إلى الحكومة البريطانية عن مستقبل المنطقة، وأسهمت تلك التقارير بشكل مباشر في رسم جغرافيا الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيمه بين بريطانيا وفرنسا، كما لعبت دورا مهما في إضعاف حكم آل رشيد، وتهيئة الطريق لصعود عبد العزيز آل سعود وتأسيس الدولة السعودية الثالثة.

جاء نشاط مس بيل في ذروة انهيار الدولة العثمانية، حين وجدت بريطانيا وفرنسا في العرب أداة فعالة لتقويض النفوذ العثماني، وقد مكنتها معرفتها العميقة باللغات العربية والفارسية والتركية من اختراق المجتمعات المحلية، سواء على مستوى العامة أو النخب، وهو ما جعلها عنصرا بالغ الأهمية في الاستراتيجية البريطانية.

كانت العراق المحطة الأهم والأخيرة في مسيرتها الشرقية، إذ وصلتها للمرة الأولى عام 1909 ضمن بعثة أثرية، رسمت خلالها خرائط المدن العراقية، وجمعت معلومات دقيقة عن العشائر، ثم كلفتها الحكومة البريطانية بالعمل مع لورنس العرب في القاهرة لتأسيس مكتب استخباري تابع لوزارة المستعمرات، قبل أن تستقر نهائيا في بغداد عام 1914، مع بدء تنفيذ الترتيبات المرتبطة باتفاق سايكس بيكو.

في بغداد استطاعت مس بيل أن تتغلغل في المجتمع العراقي بذكاء لافت، واقتربت من نخبته السياسية والدينية، كما فتحت لنفسها بابا إلى المجتمع الشعبي عبر المجالس النسائية، التي استغلتها لفهم العادات والتقاليد وجمع المعلومات، وقد حظيت بمكانة استثنائية بين العراقيين، حتى أن بعض الأدباء أطلقوا عليها ألقابا دينية مبالغا فيها، بينما عرفها عامة الناس بلقب الخاتون، تعبيرا عن أناقتها وحضورها المختلف عن نساء ذلك العصر.

رغم الانتقادات التي وجهها لها بعض الساسة البريطانيين، ومنهم ماركس سايكس الذي وصفها بصفات سلبية، ورغم التشكيك في قدراتها بسبب كونها امرأة في عالم السياسة الذكوري، إلا أن دورها في العراق كان حاسما، فقد ساهمت بشكل مباشر في تأسيس الملكية الدستورية، واختارت فيصل الأول ملكا على العراق، وبنت معه علاقة ثقة جعلتها من أقرب مستشاريه حتى وفاتها، كما رسمت حدود العراق الحديثة، وتعمدت تقسيم المناطق الكردية بين أربع دول لمنع قيام كيان مستقل مستقبلا، وتولت تنظيم الشأن الداخلي العراقي بعد الحرب العالمية الأولى بصفتها مستشارة للمندوب السامي البريطاني بيرس كوكس.

ومن أبرز إنجازاتها تأسيس المتحف العراقي، الذي ضم آلاف القطع الأثرية التي جمعتها خلال رحلاتها، إلى جانب آثار بابلية ومخطوطات نادرة، قبل أن يتعرض المتحف للتدمير والنهب بعد غزو العراق عام 2003.

توفيت غيرترود بيل عام 1926 بعد تناول جرعة زائدة من الدواء، في حادثة بقيت ملابساتها غامضة، وأقيمت لها جنازة كبيرة شارك فيها العراقيون وعلى رأسهم الملك فيصل الأول، وبعد عقود من التهميش، عاد اسمها للواجهة عبر أفلام وكتب وثائقية وروايات، أبرزها فيلم Queen of the Desert، والفيلم الوثائقي Letters from Baghdad، إضافة إلى رواية خاتون بغداد للكاتب شاكر نوري، التي أعادت قراءة شخصيتها ودورها من خلال رسائلها الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى