غازي الياور من زعامة العشيرة إلى رئاسة العراق في مرحلة التحول
يعد غازي مشعل عجيل الياور واحدا من أبرز الشخصيات العراقية التي تصدرت المشهد السياسي بعد الغزو الأميركي عام 2003، إذ جمع بين خلفية رجال الأعمال والحضور العشائري المؤثر، ليتولى منصب أول رئيس للجمهورية العراقية بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل صدام حسين، في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ البلاد.
وحظي الياور بقبول واسع على المستويين العراقي والدولي، مستندا إلى شبكة علاقاته الواسعة وانتمائه إلى مشيخة شمر، إحدى أكبر القبائل العربية في العراق والمنطقة، وهو ما منحه ثقلا سياسيا واجتماعيا ساعده على لعب دور توافقي في مرحلة الانقسام والاضطراب.
المولد والنشأة
ولد غازي مشعل عجيل الياور في 11 مارس عام 1958 بمحافظة نينوى شمال العراق، ونشأ في بيئة عشائرية ذات ثقل تاريخي، إذ يعد جده من أبرز شيوخ عشيرة شمر، التي تمتد جذورها في العراق ودول الخليج وبلاد الشام، وتعد من أكبر القبائل العربية نفوذا وانتشارا.
وينتمي الياور إلى أسرة سياسية عريقة نجحت في توحيد قبائل شمر، بعد أن اتخذت مدينة حائل شمال الجزيرة العربية مركزا لها، وكان لأفرادها أدوار بارزة في العمل الوطني العراقي، لا سيما خلال ثورة العشرين، حيث لعب جده محسن عجيل الياور دورا مهما في مقاومة الاحتلال البريطاني.
الدراسة والتكوين العلمي
أكمل الياور دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة الموصل، قبل أن ينتقل عام 1974 إلى المملكة العربية السعودية، بعد قبوله للدراسة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، حيث تخرج حاصلا على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم عاد إلى العراق لفترة قصيرة.
لاحقا، واصل دراسته العليا في الولايات المتحدة، وحصل على شهادة الماجستير في الهندسة المدنية من جامعة جورج واشنطن، ما أسهم في صقل خبرته العلمية وإعداده لمسار مهني متنوع بين الهندسة وإدارة الأعمال.
مغادرة العراق وبناء العلاقات
غادر الياور العراق مرة أخرى قبيل غزو الكويت عام 1990، واستقر في السعودية لأكثر من خمسة عشر عاما، في فترة تعرضت خلالها عشيرته لضغوط سياسية ومصادرة أراض وأموال، بسبب معارضتها لسياسات الحكومة آنذاك.
وخلال إقامته في السعودية، أدار شركة اتصالات مملوكة لخاله الشيخ أحمد نايف الفيصل الجربا، وحقق نجاحات لافتة في مجال الأعمال، كما تنقل بين الكويت ولبنان والسعودية ولندن والولايات المتحدة، ما أتاح له بناء شبكة علاقات واسعة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي العلاقات التي لعبت دورا محوريا في بروزه بعد عودته إلى العراق عام 2003.
أول رئيس للعراق بعد صدام
بعد عودته إلى بغداد عقب سقوط النظام السابق، اختير غازي الياور عضوا في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكلته القوات الأميركية، ثم تولى رئاسة المجلس بعد اغتيال رئيسه الدوري عز الدين سليم.
ومع اقتراب موعد تسليم السلطة من الإدارة الأميركية إلى العراقيين، برز اسم الياور إلى جانب السياسي المخضرم ووزير الخارجية الأسبق عدنان الباجه جي، إلا أن الأخير اعتذر عن تولي المنصب، ليتم اختيار الياور رئيسا مؤقتا للجمهورية، ليصبح أول رئيس للعراق في مرحلة ما بعد صدام حسين.
مواقف سياسية لافتة
عرف عن الياور توصيفه كشخصية براغماتية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة ومناسبة، وبرزت مواقفه المنتقدة للسياسات الأمنية للقوات الأميركية في العراق، خاصة ما يتعلق بالعمليات العسكرية وتداعياتها على المدنيين.
وحرص الياور في جميع نشاطاته السياسية على الظهور بالزي العربي التقليدي، تعبيرا عن هويته العشائرية والوطنية، وكان قد أكد في تصريحات صحفية أنه لم يكن ليقبل منصب الرئاسة ما لم يتمتع بسلطة حقيقية تعبر عن سيادة الدولة العراقية.
وطالب بإخلاء القصر الجمهوري في بغداد، باعتباره رمزا للسيادة الوطنية، بعد أن استخدمته القوات الأميركية عقب الغزو، وكانت تسعى لتحويله إلى مقر لسفارتها، كما نقل مجلس الحكم آنذاك أن الياور أبلغ الرئيس الأميركي جورج بوش، خلال اتصال هاتفي لتعزيته باغتيال عز الدين سليم، رغبة الشعب العراقي في استعادة سيادته الكاملة عبر قرار جديد من الأمم المتحدة يلغي آثار القرار رقم 1483 الذي شرعن الوجود الأميركي.
دور في تهدئة الأزمات
وخلال معركة الفلوجة عام 2004، لعب الياور دورا بارزا في محاولات وقف إراقة الدماء، حيث قاد جهود وساطة طويلة، وشارك بشكل مباشر في المفاوضات التي هدفت إلى إيقاف القتال، في واحدة من أكثر اللحظات دموية وتعقيدا في تلك المرحلة.
وبذلك بقي غازي الياور واحدا من الوجوه التي ارتبط اسمها بمرحلة انتقالية صعبة في تاريخ العراق، مرحلة حاول خلالها الجمع بين الإرث العشائري والدور السياسي، وبين متطلبات السيادة الوطنية وتعقيدات الواقع الذي فرضته ظروف ما بعد الغزو.



