دير مار سابا سر الصحراء المقدسة وحارس الرهبنة الأولى
يقف دير مار سابا شامخا في قلب صحراء وادي القدرون قرب مدينة بيت لحم في فلسطين المحتلة، بوصفه واحدا من أقدم الأديرة المسيحية في العالم، إذ يعود تاريخه إلى ما يقارب 1500 عام، ولا يزال حتى اليوم محتفظا بروحه الصارمة وقوانينه الخاصة، محتضنا جثمان مؤسسه الراهب سابا ومقبرة للرهبان الذين عاشوا وماتوا بين جدرانه الصخرية، ليغدو شاهدا حيا على تاريخ روحي وإنساني عميق.
الموقع الجغرافي لـ دير مار سابا
يقع دير مار سابا في صحراء وادي القدرون على مسافة تقارب عشرين كيلومترا عن مركز مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، ويصل الزائر إليه عبر بلدة العبيدية، ثم يواصل السير لمسافة عدة كيلومترات وسط طرق متعرجة ومنحدرات حادة، تحيط بها تلال وجبال قاسية الملامح لكنها آسرة الجمال، ما يمنح الرحلة إلى الدير طابعا روحيا خاصا قبل الوصول إليه.
التأسيس وبدايات الرهبنة
شيد الراهب سابا دير مار سابا قبل نحو 1500 عام بمساعدة مجموعة من الرهبان، حيث اختار سفح أحد الجبال ليكون مقرا لحياة الزهد والتقشف، فجاء البناء مندمجا مع الصخر، حتى يكاد يبدو كأنه منحوت في بطن الجبل، معبرا عن مفهوم الرهبنة الصعبة التي تقوم على العزلة والانقطاع الكامل، ولهذا يقصده رجال الدين المسيحي من مختلف أنحاء العالم حتى اليوم.
وتشير روايات الدير إلى أن سابا التحق بالحياة الرهبانية وهو في الثامنة من عمره، ثم قدم إلى منطقة بيت لحم في سن الثامنة عشرة، ليقضي حياته في العبادة والتقشف حتى وفاته عام 532 ميلادي، ولا يزال جسده محفوظا داخل تابوت زجاجي في الدير، إلى جانب مقبرة تضم رفات الرهبان ورجال الدين الذين عاشوا داخله عبر القرون.
تحفة معمارية فريدة
يعد دير مار سابا تحفة معمارية نادرة، إذ يرتفع في بعض أجزائه إلى عدة طبقات متداخلة، وتربط بين أقسامه أبواب صغيرة وممرات ضيقة، تقود إلى غرف العبادة والخلوات والمرافق المختلفة، كما يضم نبع ماء داخلي ومجموعة من الآبار التي تجمع مياه الأمطار، ما وفر للرهبان الاكتفاء الذاتي في بيئة صحراوية قاسية.
وشهد الدير إقامة عدد من كبار الرهبان ورجال اللاهوت، من بينهم يوحنا الدمشقي الذي أقام فيه عام 720 ميلادي خلال العصر الأموي، حين كان الدير مركزا مهما للرهبنة، كما يعكس بناؤه تداخلا حضاريا واضحا، إذ خضع لعدة مراحل ترميم، كان آخرها عام 1840 على يد الكنيسة الروسية.
قوانين وتقاليد صارمة
تحيط بدير مار سابا العديد من الحكايات والأساطير، من بينها الاعتقاد بأن مياه نبعه تشفي من الأمراض، إلا أن أكثر ما يميزه هو التزامه بقوانين صارمة تعود إلى قرون طويلة، ولا يزال الرهبان يطبقونها حتى اليوم.
ويمنع الدير دخول النساء بشكل كامل، رغم السماح لهن بالوصول إلى بوابته الخارجية أو النظر إليه من بعيد، والحصول على شربة من ماء النبع أو بعض الطعام طلبا للبركة، بينما يظل الدخول محرما عليهن، وسط اعتقاد سائد بأن زلزالا قد يضرب الدير في حال خالفت امرأة هذا التقليد.
كما يفرض الدير حظرا على أكل التفاح، ويعود ذلك إلى قصة متداولة تفيد بأن الراهب سابا هم بتناول تفاحة في غير موسمها، ثم تراجع عن ذلك معتبرا الأمر نوعا من الشره، فقرر منع التفاح داخل الدير تكريسا لفلسفة الزهد والانضباط.
ويرفض القائمون على الدير إدخال الكهرباء أو المياه الحديثة أو وسائل الاتصال المعاصرة مثل الإنترنت، انطلاقا من قناعة راسخة بأن هذه الوسائل تشتت الذهن وتقطع صفاء العلاقة الروحية مع الله، وهو ما يجعل الحياة داخل الدير معزولة بالكامل عن مظاهر العصر الحديث.
مكانة تراثية عالمية
حظي دير مار سابا باهتمام رسمي فلسطيني كبير، إذ تصدر قائمة المواقع الأثرية التي أعدتها وزارة السياحة والآثار الفلسطينية عام 2016 للترشيح إلى لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، ضمن عشرين موقعا أثريا وثقافيا.
وجاء هذا التوجه في سياق تعزيز الحضور الفلسطيني على خارطة التراث العالمي، خاصة بعد حصول فلسطين على عضوية كاملة في اليونسكو عام 2011، إلى جانب مواقع أخرى مرشحة مثل جبل جرزيم، كهف شقبا، تل أم عامر، ميناء غزة القديم، قرى الكراسي، وبلدة الخليل القديمة، فيما نجح الفلسطينيون سابقا في تسجيل المدرجات المائية في قرية بتير.
وأكد مسؤول ملف التراث العالمي في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أحمد الرجوب أن دير مار سابا يمثل أولوية حقيقية في ملف التسجيل، نظرا لقيمته التاريخية والدينية والمعمارية، مشددا على أن هذا الدير يستحق مكانته على لائحة التراث العالمي، بوصفه شاهدا نادرا على تاريخ الرهبنة وبقاء الروح الإنسانية في أقسى البيئات.



