تاريخ ومزارات

قصر برقع حارس الصحراء الذي يروي أسرار العصور

بموقع جغرافي يجاور سوريا شمالا والعراق شرقا وعلى مسافة تقارب 260 كيلومترا من العاصمة عمان، ما زالت مدينة الرويشد الأردنية التابعة لمحافظة المفرق تحتفظ بملمح تاريخي عميق الجذور، يتجسد في واحد من أقدم الشواهد العمرانية في شرق الأردن في عمق الصحراء وعلى بعد 22 كيلومترا من المدينة، يقف قصر برقع الأثري شامخا وسط السكون، حاملا في جدرانه قصة تمتد لأكثر من ثلاثة عشر قرنا، حيث يعود تاريخ بنائه إلى عام 700 ميلادي في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.

يعد برقع واحدا من القصور الإسلامية التي شيدت باستخدام حجارة البازلت السوداء المنتشرة في تلك المنطقة، وهو ما منحه طابعا معماريا فريدا جعله متناسقا مع طبيعة الصحراء القاسية، لم تكن الرحلة إلى هذا الموقع سهلة، إلا أن الوصول إليه كشف عن عبقرية واضحة في اختيار موقعه، سواء من حيث التحكم بالطرق التجارية أو تأمين مصادر المياه ومراقبة الحدود.

تاريخ قصر برقع

رغم أن عوامل الزمن والعبث البشري تسببت في سقوط أجزاء كبيرة من القصر، إلا أن ما تبقى من معالمه لا يزال يروي قصة حنكة سياسية وعسكرية جسدت فكر الدولة الإسلامية في بداياتها، كان القصر في صورته الكاملة يتكون من ثلاثة طوابق متدرجة، وإلى جانبه مسكن مستقل مزود بقنوات حجرية وفخارية لنقل المياه الباردة والساخنة، في دليل واضح على تطور الهندسة المعمارية في تلك المرحلة.

ويقع بجوار القصر غدير ماء كبير، لا يعرف تحديدا متى تشكل، إلا أن سكان المنطقة يتوارثون روايات تؤكد أن القوافل القادمة من العراق وسوريا اعتمدت عليه منذ قرون طويلة للتزود بالمياه، وعثر الباحثون في محيط القصر على أعداد كبيرة من الأدوات الصوانية المتنوعة مثل الفؤوس والمكاشط والسكاكين ورؤوس السهام، إضافة إلى مدقات بازلتية استخدمت لسحق الحبوب، وهو ما يشير إلى استقرار بشري قديم سبق العهد الأموي.

كما كشفت التنقيبات عن فخار يعود للعصور البرونزية والحديدية، وأدلة مادية تعود للحضارة النبطية العربية، إلى جانب عناصر معمارية رومانية ونقوش عربية مبكرة تعود إلى القرون الميلادية الأولى، ما يعكس تعاقب حضارات عدة على هذا الموقع الاستراتيجي.

بين الصيد والعمارة

يرتبط اسم القصر بقصة ذات طابع خاص، حيث أوضح مدير آثار المفرق عماد عبيدات أن تسمية برقع جاءت نسبة إلى ولع الخليفة الوليد بن عبد الملك بالصيد باستخدام الصقور العربية المدربة، خاصة في صيد الأرانب والغزلان الصغيرة إضافة إلى الإوز والبط في فصل الربيع، وأشار إلى أن البرقع هو الغطاء الذي يوضع على عيني الصقر قبل إطلاقه نحو فريسته، وهو تقليد لا يزال معروفا حتى اليوم في الجزيرة العربية ودول الخليج وبلاد أواسط آسيا.

وأكد عبيدات أن القصر يضم نقشين تاريخيين، أحدهما يوثق عملية إعادة بنائه في زمن الوليد بن عبد الملك، ما يعزز الرواية التي تربط القصر مباشرة بالعصر الأموي، تبلغ مساحة القصر نحو 35 مترا من الشرق إلى الغرب و37 مترا من الشمال إلى الجنوب، ويأخذ شكلا مستطيلا تحيط به غرف صغيرة مستطيلة من الجهتين الشمالية والجنوبية.

وأوضح أن الموقع مر بثلاث مراحل تاريخية واضحة هي المرحلة الرومانية النبطية ثم البيزنطية وأخيرا الأموية المبكرة، ويضم القصر غرفة دائرية الشكل نصف قطرها متران، تفتح بوابتها على الساحة السماوية، وتقوم أكتافها على حمل قوس حجري يعلوه سقف مشيد بطريقة الشبائح البازلتية، وهو أسلوب معماري يعكس دقة هندسية متقدمة.

حراسة الطرق والمياه

يحتوي القصر على ثلاثة أبراج موزعة في الزوايا الشمالية والجنوبية والجنوبية الغربية، إضافة إلى ثلاث غرف صغيرة تتوسط الساحة السماوية، وفي الجهة الجنوبية خزان مياه متصل بقناة حجرية لجلب المياه من سد قريب، ويرجح الباحثون أن أحد الأبراج استخدم لمراقبة الطرق القادمة من بلاد الرافدين وسوريا والمتجهة نحو طريق السرحان المؤدي إلى الجزيرة العربية، إلى جانب دوره في حماية مصادر المياه المحيطة بالقصر.

وتشير الدراسات إلى أن الغزو الساساني الفارسي ألحق أضرارا كبيرة بالموقع في القرن السابع الميلادي بين عامي 614 و628، قبل أن يعيد الأمويون استخدامه وتطويره في فترة لاحقة، خاصة في عهد الوليد بن عبد الملك.

ويرى عبيدات أن بعد المسافة وصعوبة الوصول لا يزالان يشكلان عائقا أمام تدفق السياح، إلا أن دائرة الآثار العامة تعمل على إعداد مشاريع ترميم وإعادة تأهيل تهدف إلى إحياء الموقع وفتحه أمام الزوار، ولفت إلى أن القصر ورد في العديد من الدراسات والكتابات، من أبرزها ما سجلته الرحالة البريطانية غيرترود بيل خلال زيارتها عام 1913، حيث وصفت القصر ووثقت معالمه بالصور، إضافة إلى دراسة أكاديمية نشرتها جامعة أدنبره عام 1988.

ويضم الأردن وفق إحصاءات رسمية ما يقارب مئة ألف موقع أثري وسياحي موزعة على مختلف محافظات المملكة، ويظل قصر برقع واحدا من أكثرها غموضا ودلالة على عمق التاريخ الذي تختزنه الصحراء الأردنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى