قلعة تاروت.. جوهرة تاريخية تروي أسرار آلاف السنين في قلب الخليج العربي
أسماء صبحي– تعد قلعة تاروت واحدة من أقدم المعالم التاريخية في المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج العربي عمومًا. حيث تقف شامخة على جزيرة تاروت بمحافظة القطيف في المنطقة الشرقية لتروي فصولاً من التاريخ الإنساني الممتد منذ آلاف السنين.
تقدر الدراسات الأثرية أن تاريخ بناء القلعة يعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام قبل الميلاد. وهو ما يجعلها من أقدم المواقع السكنية التي عرفها الإنسان في منطقة الخليج. ويرى المؤرخون أن القلعة لم تكن مجرد بناء عسكري بل كانت مركزًا حضاريًا وتجاريًا شهد نشاطًا بحريًا وزراعيًا مميزًا عبر العصور.
موقع قلعة تاروت يكشف سر البقاء
تقع القلعة على تل مرتفع في وسط جزيرة تاروت، وهو موقع يمنحها إشرافًا طبيعيًا على الساحل الشرقي للخليج. هذا الموقع جعلها حصنًا دفاعيًا استراتيجيًا عبر القرون حيث استخدمها السكان لحماية الجزيرة من الغزاة. كما كانت نقطة مراقبة مهمة للتجارة البحرية في المنطقة.
ويقول الباحث في التاريخ الخليجي الدكتور عبدالرحمن السلمان، إن قلعة تاروت تمثل حلقة وصل نادرة بين العصور القديمة والحضارة الحديثة في الجزيرة العربية. موضحًا أن الاكتشافات الأثرية التي تمت داخل القلعة وحولها تؤكد أن المنطقة كانت مأهولة منذ عصور دلمون وما قبلها. وهو ما يمنحها قيمة استثنائية في فهم تطور الحياة البشرية في الخليج.
العمارة التي صمدت أمام الزمن
شيدت القلعة من الحجر المرجاني والطين المحلي، وهو ما يعكس براعة البنّائين القدامى في استخدام الموارد الطبيعية المتاحة بطريقة هندسية تضمن المتانة ومقاومة العوامل الجوية. وتتألف القلعة من أربعة أبراج تحيط بفناء داخلي واسع، وكانت تستخدم كمركز للحكم المحلي وكمخزن للأسلحة والمؤن أثناء الحروب.
كما تحتوي القلعة على نظام مائي ذكي كان يستخدم لجمع مياه الأمطار وتخزينها. وهو ما يعكس إدراك القدماء لأهمية إدارة الموارد المائية في بيئة صحراوية قاسية.
محور تجاري وثقافي
لم تكن قلعة تاروت مجرد حصن عسكري، بل كانت مركزًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية. فقد كانت الجزيرة تشتهر بصيد اللؤلؤ وكانت القلعة بمثابة ملتقى للتجار والبحارة من مختلف مناطق الخليج. حتى أصبحت رمزًا للحركة التجارية بين شرق الجزيرة وبلدان الرافدين والهند.
ويشير المؤرخون إلى أن القلعة كانت مقرًا للحكم المحلي في فترات متعاقبة. حيث اتخذها زعماء المنطقة مقرًا للإدارة ومكانًا لعقد الاجتماعات الرسمية والصلح بين القبائل.
الاهتمام الحديث بالتراث
شهدت القلعة خلال العقود الأخيرة جهودًا مكثفة من قبل هيئة التراث السعودية للحفاظ عليها وترميمها ضمن مشروع شامل لإحياء المواقع التاريخية في المنطقة الشرقية. وقد شمل الترميم تدعيم الجدران والأبراج وإعادة تأهيل المسارات الداخلية لتكون مفتوحة أمام الزوار.
كما تعمل الجهات المختصة حاليًا على تحويل القلعة والمنطقة المحيطة بها إلى موقع تراثي وسياحي متكامل. يشمل متحفًا صغيرًا يضم القطع الأثرية المكتشفة، ومنصات عرض تفاعلية تروي قصة الجزيرة وسكانها على مر العصور.
رمز لهوية الجزيرة الشرقية
تعتبر قلعة تاروت اليوم رمزًا لهوية سكان المنطقة الشرقية، إذ تُعبر عن عمق الجذور التاريخية للمنطقة الخليجية. وعن تواصل الأجيال في الحفاظ على إرثهم الثقافي والحضاري. وغالبًا ما تستخدم صور القلعة وشعارها في المهرجانات الوطنية التي تقام في القطيف كتعبير عن الفخر بالماضي والاعتزاز بالتراث.



