السد العالي.. المعجزة التي غيرت وجه مصر وروضت النيل إلى الأبد

في أرض مصر القديمة، حيث خط نهر النيل ملحمة الوجود منذ آلاف السنين، لم يكن مجرد نهر يهب الحياة، بل كان سيفًا ذا حدين، ففي سنوات الفيضان، كان النهر يغمر الأراضي بالماء والخصب، لكنه أحيانًا ينقلب إلى وحشٍ جارف يبتلع المحاصيل ويغرق البيوت والأحلام وفي سنوات أخرى، حين يتراجع ماؤه، كان يترك الأرض عطشى والقلوب ممتلئة باليأس.
حاول المصريون عبر الزمن السيطرة على هذا النهر العظيم، فأقاموا خزان أسوان وخزان جبل الأولياء، لكن هذه السدود لم تكفِ لاحتواء قوته أو حماية البلاد من قسوته، وجاء منتصف القرن العشرين ليشهد لحظة فارقة في التاريخ المصري، حين اتخذ أبناء مصر قرارًا ببناء مشروع هندسي يعد معجزة بكل المقاييس: السد العالي.
السد العالي.. درع مصر الحامي
يمتد السد العالي بطول 3830 مترًا، شامخًا بارتفاع 111 مترًا عن قاع النهر، وقد شيد من 43 مليون متر مكعب من الأسمنت والحديد، وكأنه جبل ضخم صنعه الإنسان ليقف في وجه غضب النيل، وخلف هذا السد، تشكلت بحيرة ناصر، التي تُعد من أكبر البحيرات الصناعية في العالم، بطول 500 كيلومتر وسعة تخزينية هائلة تصل إلى 176 مليار متر مكعب، هذه البحيرة أصبحت قلب مصر المائي، تخزن الخير لأوقات الجدب، وتتصدى لكل فيضان قد يأتي على حين غرة.
من كوارث الماضي إلى أمان المستقبل
يكفي أن نعود إلى عام 1887، حين اجتاح النيل مصر بإيراد بلغ 150 مليار متر مكعب، جارفًا في طريقه الجثث والدمار من أعالي السودان حتى المصب، وكانت هذه الكارثة مثالًا حيًا على هشاشة البلاد أمام تقلبات النهر، لكن بعد بناء السد العالي، انتهى هذا الكابوس، وأصبح الفيضان جزءًا من ذاكرة الماضي، بعد أن تحول النيل من سيدٍ متقلب المزاج إلى نهرٍ مطيع تحت سيطرة المصريين.
ثورة في الزراعة
لم يكن السد مجرد مشروع لحجز المياه، بل كان ثورة في حياة المزارعين، فقد نقل مصر من الزراعة الموسمية المرتبطة بمواعيد الفيضان إلى الزراعة الدائمة طوال العام، و ارتفعت مساحة الأراضي الزراعية من 5.5 مليون فدان إلى 7.9 مليون فدان، وازدهرت محاصيل تحتاج إلى وفرة مائية مثل الأرز وقصب السكر، وحتى في سنوات الجفاف القاسية بين 1979 و1987، أثبتت بحيرة ناصر قيمتها، إذ أمدت البلاد بنحو 70 مليار متر مكعب من المياه لتعويض النقص، وحمت مصر من عطش محقق.
مصدر للطاقة والتنمية
على ضفة النيل الشرقية، بُنيت محطة الكهرباء العملاقة التي استمدت قوتها من ستة أنفاق ضخمة تتحكم في اندفاع المياه نحو التوربينات، كما أن هذه التوربينات ولّدت الطاقة التي أنارت قرى ومدن مصر، وجعلت الكهرباء تصل إلى ملايين البيوت لأول مرة، لتتحول حياة المصريين إلى مرحلة جديدة من التقدم والتنمية.
إرادة تصنع المعجزات
السد العالي لم يكن مجرد بناء ضخم من الأسمنت والحديد، بل كان رمزًا للإرادة المصرية، ودرعًا يحمي البلاد من قسوة الطبيعة، وركيزة للتنمية الاقتصادية والزراعية والصناعية، إنه قصة كتبها المصريون بحروف من العزم والإصرار، لتظل خالدة في ذاكرة النيل، شاهدة على قدرة الإنسان حين يؤمن بحلمه.



