تاريخ ومزارات

عش النسر مدينة شامخة هزم الإسكندر أمام حصونها

حاول الإسكندر الأكبر أن يسيطر على مدينة تيرميسوس لكنه لم ينجح واليوم يمكن للزائر أن يستكشف بقايا هذه المدينة المنيعة الواقعة في أعالي جبال جنوب غرب تركيا، كما أن قليلون فقط يقدمون على هذه المغامرة فالمكان بعيد عن الطرق المأهولة وغالبًا ما يكتفي السياح بمشاهدتها من منتجعات أنطاليا الساحلية الشهيرة ومع ذلك فإن من يقرر الصعود إليها يتمتع بفرصة نادرة للتجول بين واحدة من أعظم المدن الأثرية في تركيا منفردًا حيث لا يفصل بين وسط أنطاليا الصاخب وبوابات متنزه غولوك تيرميسوس الوطني سوى رحلة بالسيارة تستغرق نحو خمس وأربعين دقيقة.

تاريخ عش النسر

يحمل هذا الموقع لقب عش النسر وهو ملاذ طبيعي للحياة البرية يحيط بالآثار وبعد دفع رسم دخول لا يتجاوز ثلاثة دولارات يبدأ الزائر رحلة قصيرة عبر طريق متعرج وسط غابات الصنوبر حتى يصل إلى ارتفاع يقارب ألف متر فوق سطح البحر وهناك تبدأ مغامرة تيرميسوس المدينة التي واجهت الموت منذ قرون وما زالت آثارها تنطق بعظمتها.

داخل أطراف الساحة المهجورة تظهر بقايا شارع حجري عريق تصطف على جانبيه مقابر الأثرياء بدلاً من البيوت والمتاجر هنا تتناثر التوابيت المنحوتة وعليها نقوش للدروع والرماح والرموز التي تشير إلى مكانة أصحابها وعلى مر العصور تعرضت هذه القبور للنهب إذ اقتحمها الغزاة وكسروا أغطيتها المعدنية بحثًا عن الكنوز.

وفي عذا الصدد روي المرشد السياحي أوندر أوغوز المقيم في أنطاليا أن اللصوص برعوا في أعمالهم ورغم ذلك ما زالت شواهد المكان تكشف قصصًا عن سكان المدينة الذين عُرفوا باسم سوليمز أحفاد حضارة اللوويين القديمة اختاروا موقعًا استراتيجيًا بذكاء فهو ليس مجرد موقع على طرق التجارة بل حصن طبيعي بارتفاعه جعل الدفاع عنه أكثر سهولة إضافة إلى الثروات التي جمعت من حركة التجارة بين البحر المتوسط والأناضول.

لهذا السبب لم يتمكن الإسكندر الأكبر عام 333 قبل الميلاد من إخضاع المدينة رغم محاولاته المتكررة فاضطر للانسحاب وهو يصفها بعش النسر.

عند الصعود أكثر نحو القمة تتكشف معالم أخرى من حياة تيرميسوس القديمة تظهر بقايا صالة للألعاب الرياضية الرخامية كانت بمثابة معسكر تدريب للمقاتلين تضم حمامًا وغرفة طعام ويُعتقد أن زلزالًا شديدًا دمّر المدينة في القرنين الرابع أو الخامس الميلادي وما تبقى من أطلالها اليوم لم يخضع لترميم بل ظل على حاله كما تركته الكارثة منذ أكثر من ستة عشر قرنًا.

وبالقرب من ذلك يقف الجدار الخارجي لمجلس المدينة شامخًا إلى جانب ساحة قديمة وأطلال شارع أعمدة كان يضم أرقى المتاجر وصفه أوغوز بأنه الشانزليزيه الخاص بتيرميسوس فقد كان مكانًا لعرض أجود المنتجات من زيت الزيتون إلى الأقمشة والسلع الجلدية والبضائع المستوردة من شتى أنحاء المتوسط.

لكن المسرح يظل المعلم الأبرز إذ يقبع فوق أعلى نقطة في المدينة بعد تسلق الرخام الضخم ينفتح المشهد على مساحة واسعة كانت مخصصة للعروض وتتسع لنحو أربعة آلاف شخص المنظر بانورامي يخطف الأنفاس حيث تحيط الوديان العميقة من كل جانب والانحدار الشديد خلف الجدار العلوي للمسرح يكفي لإثارة الدوار عند الوقوف هناك.

يعتقد أن هذا المسرح أنشئ قبل وصول الرومان لكنه عُدّل لاحقًا ليأخذ طابعهم المعماري ورغم خطورة استكشافه لعدم وجود أسوار حماية فإنه يظل جوهرة أثرية فريدة تشبه ماتشو بيتشو في روعتها.

بالنسبة لأوغوز ورغم أنه يقود جولات في مواقع أثرية أكثر شهرة فإن تيرميسوس تظل الأقرب إلى قلبه إذ يجد في هدوئها وجمالها العتيق ما يجذبه للعودة إليها مرات لا تحصى مؤكدًا أنه لا يمل من التجوال بين أطلالها التي قاومت الزمن وهزمت جيوش الإسكندر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى