المتاحف المصرية.. حصون الهوية وبيوت الكنوز المستردة
كتبت شيماء طه
لم تكن المتاحف المصرية مجرد أماكن لعرض القطع الأثرية، بل تحولت في العصر الحديث إلى حصون لحماية التراث المصري وبيوته الآمنة، خاصة بعد النجاحات المتتالية في استرداد آلاف القطع المهربة من الخارج ، فالمتاحف اليوم تؤدي دورًا مزدوجًا ، ومنها صون الآثار من الضياع، وإعادة تقديمها للعالم بصورة تعكس عظمة الحضارة المصرية.
ومنذ إنشاء المتحف المصري بالتحرير عام 1902، بدأ وعي المصريين بأهمية تجميع الآثار في أماكن مركزية لحمايتها من التهريب والتلف. وعلى مدار القرن العشرين، توسع دور المتاحف لتصبح مؤسسات تعليمية وثقافية، توثق تاريخ مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث ، لكن مع إزدياد عمليات الإسترداد في العقود الأخيرة، أصبحت المتاحف أيضًا مراكز لإعادة عرض الكنوز العائدة إلى الوطن.
ومن أبرز الأمثلة هو المتحف المصري الكبير بالجيزة، الذي يُعد أضخم متحف أثري في العالم، والمقرر أن يحتضن مجموعة الملك توت عنخ آمون كاملة لأول مرة ، هذا المتحف لم يُبنى فقط ليكون مقصدًا سياحيًا عالميًا، بل ليكون أيضًا رمزًا لحماية التراث واستيعاب القطع المستردة من الخارج ، وقد صُممت قاعاته بمعايير حديثة تضمن أعلى درجات الحفظ والصيانة.
كما لعب متحف الحضارة المصرية بالفسطاط دورًا محوريًا منذ افتتاحه في عام 2021، حيث استقبل المومياوات الملكية التي نُقلت في موكب مهيب من المتحف المصري بالتحرير، وأصبح من أبرز مراكز العرض التي تدمج بين الحماية والحداثة. وفي داخله، تعرض بعض القطع المستردة في قاعات خاصة، لتؤكد على نجاح مصر في استرجاع تراثها.
وإلى جانب ذلك، هناك متاحف إقليمية مثل متحف سوهاج القومي ومتحف كفر الشيخ ومتحف الغردقة، التي تتيح للقطع المستردة أن توزع على مختلف أنحاء البلاد، فلا تظل حكرًا على القاهرة فقط. هذه المتاحف الإقليمية أصبحت أدوات للتنمية الثقافية والسياحية، إذ تساهم في جذب الزوار محليًا وعالميًا، وتعريف المجتمعات المحلية بقيمة تراثهم.
المتاحف المصرية لم تكتفِ بعرض الآثار في قاعاتها، بل طورت برامج تعليمية وتثقيفية للطلاب والباحثين والجمهور، حتى تصبح الكنوز المستردة مصدرًا حيًا للمعرفة. كما تم إدخال التكنولوجيا الحديثة مثل الشاشات التفاعلية والواقع الافتراضي لتوضيح تاريخ القطع وطرق حمايتها.
اللافت أن كل قطعة أثرية تُعرض في المتاحف اليوم لا تحمل فقط قيمة تاريخية، بل أيضًا قصة عودتها من الخارج، لتكون شاهدًا على إصرار مصر في حماية تراثها ، وبذلك يتحول العرض المتحفي إلى رسالة سياسية وثقافية للعالم تؤكد على حق مصر في استرداد ممتلكاتها الحضارية.
وختاماً يمكن القول إن المتاحف المصرية هي الواجهة الحقيقية لمعركة استعادة الهوية ، فهي الأماكن التي تحتضن الماضي وتعرضه للحاضر، وتحميه للمستقبل. ومع استمرار جهود الاسترداد، تظل المتاحف على أهبة الاستعداد لاستقبال المزيد من الكنوز التي ستعود إلى أرضها الأم، لتبقى مصر دائمًا صاحبة الكلمة الأولى في حماية حضارتها الفريدة .



