عادات و تقاليد

تقديم الجمل عند الصلح.. طقس قبلي راسخ في مطروح يعكس قيم الكرامة والوفاق

أسماء صبحي– في قلب محافظة مطروح حيث تتشابك الرمال مع التقاليد، وتحكم القبائل بنظامها الاجتماعي الصارم. تتجلى عادة تقديم الجمل عند الصلح كأحد أبرز مظاهر العرف القبلي الراسخ. ليست هذه العادة مجرد رمز أو طقس اجتماعي، بل هي ترجمة حقيقية لقيم الكرامة، ورد الاعتبار، وتعزيز التلاحم بين العائلات والعشائر. فعندما تقع خصومة أو مشكلة دموية أو نزاع بين طرفين من قبائل مطروح. لا ينتهي الخلاف فقط ببيان اعتذار أو تعويض مادي بل لا يكتمل الصلح إلا بإهداء “جمل الصلح” من أهل الجاني إلى أهل المجني عليه. كعلامة على التقدير والندم والنية الخالصة للصفح.

أصل عادة تقديم الجمل

ترجع هذه العادة إلى قرون مضت، حينما كانت الجمال تعد أثمن ما يملكه البدوي بل وتقاس بها مكانته وثروته ونفوذه. ومع تعاقب الأجيال، تحولت الجمال من وسيلة للحياة والترحال إلى رموز شرفية تعبر عن مدى التزام الطرف المخطئ بقواعد الصلح.

الجمل لا يقدم كهدية بل كـ”رد اعتبار” ويشترط أن يكون أصيلًا. وقد يقدم أمام جمع من وجهاء القبيلة وشيوخ العائلات في مجلس الصلح الذي يعقد عادة في خيمة كبيرة أو ساحة مفتوحة تضم جميع الأطراف. ويرافق تقديمه كلمات ترحيب وتأكيد على التوبة والاحترام، ويشعل بخور، وترفع الرايات البيضاء، وتتلى آيات من القرآن، وعبارات التراضي.

الإجراءات المصاحبة للصلح

عند وقوع خلاف أو دم بين طرفين، يتدخل كبار القبيلة أو “الوجهاء” كوسطاء ويبدأ ما يعرف بـ”الدخالة” أي طلب الحماية والصفح. وفي حال قبول الطرف الآخر بـ”الدخالة” يتم تحديد موعد للصلح. وعندها يشترط على الطرف المتسبب في الخلاف إحضار “جمل الصلح” ويشترط أن يكون من نوع جيد وفي صحة ممتازة. ويفضل أن يكون أبيض اللون لما يحمله هذا اللون من رمزية للنقاء والسلام.

يتم تسليم الجمل في طقس قبلي يحضره عدد كبير من أبناء القبائل. وأحيانًا يمثل حضور الدولة فيه إشارة إلى الاعتراف بالصلح خاصةً في القضايا الكبيرة. ولا يكتمل الصلح إلا بعد استلام الجمل علنًا ويعلن الشيخ الأكبر انتهاء النزاع و”غلق الدفتر” بين الطرفين.

الجمل كرمزية للصفح ورد الاعتبار

يقول الشيخ علي مفتاح السنيني، أحد كبار مشايخ قبائل مطروح، إن تقديم الجمل في الصلح ليس فقط مسألة شكلية. بل هو تعبير عميق عن رجولة الطرف المعتذر، واستعداده لتحمل المسؤولية المعنوية والاجتماعية عن ما بدر منه أو من أحد أفراد عشيرته.

ويضيف: “اللي يقدم جمل صلح قدام الناس، كأنه بيقول أنا راجل شريف وجيت أطلب السماح، وده أعظم من أي تعويض مادي. إحنا قبائل نعيش على الكلمة، وأهم من الجمل هو الشرف اللي بيرجع.”

التحول الحديث وتأثيرات العصر

مع تطور الحياة وارتفاع تكاليف تربية الجمال، شهدت العادة نوعًا من التغير في بعض المناطق. حيث يتم أحيانًا تقديم مبلغ مالي يعادل سعر الجمل أو يرفق الجمل بهدايا رمزية أخرى. لكن في القضايا الكبرى لا يزال الجمل حاضرًا وبقوة كعنصر لا غنى عنه في طقوس الصلح.

كما تدخلت الدولة في السنوات الأخيرة لتنظيم هذه الإجراءات. وضمان عدم تحولها إلى عبء مادي كبير على العائلات خاصةً في النزاعات التي لا تُسفر عن خسائر بشرية.

وترى الباحثة في شؤون القبائل والعرف القبلي الدكتورة نجلاء عبدالله، أن عادة تقديم الجمل تحمل بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا عميقًا. وتقول في دراسة منشورة على موقع مركز الأهرام للدراسات الاجتماعية: “عادة تقديم الجمل في الصلح تمثل امتدادًا طبيعيًا لمنظومة القيم البدوية التي تعتمد على الثقة والكرامة. وهي مثال فريد لكيفية توظيف الرمز الحيواني في إنتاج المعنى الاجتماعي داخل المجتمعات التقليدية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى