معبد إيزيس في بهو العجوز.. قصة الإلهة التي تجاوزت النيل إلى ضفاف العالم
أسماء صبحي – بعيدًا عن الزخم المحيط بأهرامات الجيزة وأبو الهول، يختبئ في قرية بهو العجوز التابعة لمركز الواحات البحرية بمحافظة الجيزة. أثر تاريخي فريد يعود إلى العصور المتأخرة من الدولة المصرية القديمة. وهو معبد إيزيس، أحد رموز العبادة النسائية المقدسة في مصر القديمة.
يعد هذا المعبد شاهدًا نادرًا على استمرار عبادة الإلهة إيزيس في العصرين اليوناني والروماني. ويكشف عن تأثير الدين المصري القديم في تشكيل الوعي الشعبي والحضاري. ليس فقط في مصر بل في أجزاء واسعة من العالم القديم.
تاريخ الإلهة إيزيس
قبل الدخول إلى تفاصيل المعبد، لا بد من إلقاء الضوء على شخصية إيزيس نفسها. فهي واحدة من أبرز الشخصيات في الميثولوجيا المصرية القديمة. وتجسد رموزًا متعددة مثل الأمومة، السحر، الحماية، والخصوبة.
كانت زوجة الإله أوزير، وأم الإله حورس، وارتبطت أسطورتها بالصراع الأبدي بين الخير والشر، وبين النور والظلمة. مما جعلها معبودة في كل أنحاء مصر، وامتدت عبادتها لاحقًا إلى اليونان وروما، بل وصلت حتى إلى بريطانيا في العهد الروماني.
بناء معبد إيزيس
يقع المعبد في منطقة “بهو العجوز” جنوب الجيزة وتحديدًا على طريق الواحات البحرية. ويعتقد أنه بني خلال العصر الروماني وتحديدًا في عهد الإمبراطور هادريان (117–138 م). ويعد من أواخر المعابد التي تم إنشاؤها لعبادة آلهة مصر القديمة قبل دخول المسيحية وانتشارها في البلاد.
تكمن أهمية هذا الموقع في كونه واحدًا من آخر الأماكن التي احتُفظ فيها بطقوس إيزيس كاملة. حيث تشير النقوش إلى استمرار أداء الطقوس الدينية حتى القرن الثالث الميلادي.
تفاصيل البناء والمعمار
المعبد مبني من الحجر الجيري المحلي، ويظهر طابعًا معمارياً متأثرًا بالطراز الروماني الممزوج بالعناصر الفرعونية. وهو ما يعرف بالأسلوب “الهيلينستي المصري”، أي مزج بين الحضارتين اليونانية والمصرية.
ويتكوّن المعبد من فناء خارجي يحيط به سور، قاعة الأعمدة (البروناوس) المكونة من صفين. قدس الأقداس، وهو الغرفة الرئيسية التي كانت توضع فيها تماثيل الإلهة إيزيس. وغرف جانبية ربما كانت تستخدم كمخازن للأدوات المقدسة أو غرف للكهنة.
والنقوش الجدارية لا تزال واضحة وتصور إيزيس في أوضاع متعددة منها الرضاعة الإلهية لحورس. ومناظر تقديم القرابين من الكهنة والملوك، وهي مشاهد تماثل ما يوجد في معابد فيلة ودندرة.
الطقوس والديانة في المعبد
كان معبد إيزيس في بهو العجوز يستخدم لإحياء الطقوس الدينية المرتبطة بالإلهة، مثل:
- احتفالات الولادة المقدسة، حيث تجسد إيزيس كأم مقدسة.
- طقوس الحماية والسحر، حيث كانت تستدعى قوتها لدرء الشر.
- الاحتفالات الزراعية الموسمية المرتبطة بالفيضان والخصوبة.
وقد أظهرت الحفريات بعض الأدوات الطقسية مثل المباخر، والأواني الفخارية وتماثيل صغيرة لإيزيس. ما يدل على نشاط ديني يومي في المعبد.
اكتشاف معبد إيزيس وحفائره
تم اكتشاف اامعبد في بهو العجوز في أوائل القرن العشرين. ولكن لم تبدأ أعمال التنقيب الجدية إلا في سبعينيات القرن الماضي عبر بعثة أثرية مصرية بإشراف د. عبد الحليم نور الدين أستاذ الآثار المصرية بجامعة القاهرة.
ويقول الدكتور محمد عثمان الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، إن معبد إيزيس في بهو العجوز يمثل مرحلة انتقالية نادرة بين العقيدة الفرعونية والهيمنة الرومانية. ويجب إعادة إحيائه سياحيًا وثقافيًا نظرًا لقيمته الروحية والمعمارية.



