عائلة الطحاوية في الجيزة: إرث بدوي وجذور عربية متجذرة في وادي النيل
أسماء صبحي – في قلب محافظة الجيزة، وعلى ضفاف نهر النيل، تسكن واحدة من أبرز العائلات ذات الأصول العربية التي احتفظت بتراثها القبلي ومكانتها الاجتماعية والاقتصادية عبر القرون، وهي عائلة الطحاوية. وتعود جذور هذه العائلة إلى قبائل بني صخر التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية واستقرت في مصر منذ العهد العثماني. لتصبح اليوم رمزًا للتقاليد البدوية الأصيلة في صعيد ووسط الدلتا.
أصول عائلة الطحاوية
تنتمي العائلة إلى قبائل بني صخر، وهي قبيلة عربية كبيرة كانت تقيم في نجد والحجاز. ثم نزحت إلى الشام ومصر خلال القرن السابع عشر. استقرت فروع من هذه القبيلة في محافظة الشرقية أولًا، ومنها انتقل جزء من أبنائها إلى محافظة الجيزة. خاصة في مناطق مثل البدرشين والعياط وأطراف الواحات.
ويعرف عن هذه العائلة أنها من القبائل المعروفة بارتباطها بالفرس والصقور. حيث اشتهرت بتربية الخيول العربية الأصيلة والصقور المدربة، وهي من العادات التي ورثتها عن أسلافها في الجزيرة العربية.
الانتقال إلى الجيزة
في القرن التاسع عشر، ومع توسع الأراضي الزراعية في الجيزة تحت حكم محمد علي باشا. انتقل عدد من أبناء الطحاوية إلى منطقة الجيزة ليعملوا في الزراعة وتجارة المواشي، مستغلين مهاراتهم في الفروسية والتنظيم الاجتماعي. وساهم هذا التوسع في تعزيز مكانة العائلة، التي امتلكت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأقامت علاقات متينة مع كبار العائلات الأخرى في الصعيد والدلتا.
وقد كان لعائلة الطحاوية في الجيزة دور في حماية طرق القوافل بين الصعيد والقاهرة. حيث لعب فرسانها دورًا شبيهًا بالحراسات القبلية، وهو ما عزز من هيبتهم ونفوذهم المحلي.
مكانة اجتماعية واقتصادية بارزة
على مر السنين، احتلت العائلة مكانة مرموقة في المجتمع الريفي الجيزي. وكان لها ممثلون في المجالس المحلية ومجالس النواب لاحقًا. وقد برز منها شخصيات عامة مؤثرة، من بينهم:
- الحاج فوزي الطحاوي: من كبار مربي الخيول وصاحب مضمار شهير في الجيزة لتدريب الخيل العربي.
- المهندس صبري الطحاوي: أحد رجال الأعمال في مجال الزراعة وتوريد المحاصيل.
- الدكتور ربيع الطحاوي: أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة القاهرة، وله مؤلفات عن العرب في مصر.
تعرف العائلة كذلك بالمحافظة على نمط الحياة البدوي. من حيث الضيافة والملابس والمجالس القبلية مع اندماجهم الكامل في المجتمع المدني الحديث.
ويقول الدكتور أيمن سليمان الشافعي، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة القاهرة، إن عائلة الطحاوية تمثل نموذجًا فريدًا للجماعات القبلية التي اندمجت في نسيج المجتمع المصري دون أن تفقد هويتها العربية الأصلية. كما يبرز وجودهم في الجيزة تحديدًا أهمية التوزيع التاريخي للقبائل العربية بعد الفتح العثماني. وتأثيرهم الثقافي والاقتصادي ما زال قائمًا حتى اليوم.
ويضيف: “من المهم دراسة هذه العائلات لأنها تمثل جسورًا حية بين تراث العرب في الجزيرة ونمط الحياة الريفي المصري. وهي تشكل مادة غنية لفهم الهوية المحلية المركبة لمناطق مثل الجيزة.
العادات والتقاليد
رغم التحول الحضري الواسع في الجيزة، لا تزال العائلة تحافظ على كثير من تقاليدها، مثل:
- تنظيم الأعراس في الخيام الكبيرة على الطريقة البدوية.
- استخدام أسماء عربية قديمة مثل (شداد، فراج، دهشان).
- التمسك بجلسات العرف القبلي في حل النزاعات، قبل اللجوء للقضاء الرسمي.
وقد ساهمت هذه الممارسات في الحفاظ على شعور قوي بالانتماء والهوية بين أبناء العائلة. حتى مع تزايد التحصيل الأكاديمي واندماج الشباب في سوق العمل الحديث.
دور نساء عائلة الطحاوية
رغم الطبيعة المحافظة، إلا أن نساء العائلة لعبن دورًا متزايدًا في التعليم والعمل المجتمعي. فقد تأسست عدة جمعيات أهلية على يد نساء من العائلة تهدف إلى محو الأمية وتقديم الدعم للأرامل والمطلقات في المناطق الريفية من الجيزة.
وتشير السيدة صفاء الطحاوي، مديرة إحدى الجمعيات المحلية، إلى أن الهوية لا تتناقض مع التحديث. مضيفة: “نحن نعلم فتياتنا ونشجعهن على العمل، لكن في الوقت ذاته نذكرنهن دائمًا بجذورهن واحترامهن لتراث الأهل”.
الهوية المزدوجة
يمثل وجود الطحاوية في الجيزة ظاهرة لافتة من حيث الدمج بين الهوية البدوية الأصيلة والهوية الحضرية الحديثة. فالجيزة كمحافظة تقع على أطراف القاهرة، وتجمع بين الريف والمدن والواحات. ما منح العائلة فرصة فريدة لتمارس هويتها في بيئة متعددة.
ويقول الدكتور الشافعي: “العائلات مثل الطحاوية ساهمت في خلق نموذج مصري عربي فريد. حيث لا يتعارض التراث مع التقدم، بل يتكامل معه في مشهد ثقافي غني”.



