حوارات و تقارير

كنيسة الاقيصر في كربلاء.. تحفة نادرة من أقدم آثار المسيحية في العراق تنهار تحت وطأة الإهمال رغم قيمتها الروحية والتاريخية

تقف كنيسة الاقيصر في صحراء عين تمر بمحافظة كربلاء شاهدة على مرحلة مهمة من التاريخ الديني في العراق، حيث يعود تاريخ بنائها إلى القرن الخامس الميلادي، إلا أن هذا الأثر النادر يعاني اليوم من إهمال واضح، رغم مضي أكثر من أربعين عاماً على اكتشافه من قبل الباحثين في الآثار.

تاريخ كنيسة الاقيصر

الصحفية أحلام راضي عبرت عن استيائها من ضعف الاهتمام بهذه الكنيسة، وأشارت إلى غياب أبسط الخدمات حولها، فلا وجود لمحطات استراحة أو مرافق سياحية أو حتى طريق معبد يصل إلى الموقع، ما يصعب من مهمة الزوار ويقلل من فرص الاستفادة السياحية منه.

تقع الكنيسة وسط الصحراء، على بعد سبعين كيلومتراً من جنوب غرب مدينة كربلاء، وتبعد خمسة كيلومترات فقط عن قصر الأخيضر التاريخي، ما يجعلها في منطقة مليئة بالمواقع التراثية المهمة التي يمكن ربطها بمسار سياحي متكامل.

راضي شددت على أهمية العناية بالكنيسة لما لها من ارتباط بتاريخ دولة المناذرة التي حكمت مناطق غرب العراق بين عامي مئتين وثمانية وستين حتى ستمئة وثلاثة وثلاثين ميلادية، والتي اتبعت الديانة المسيحية، حيث تضم الكنيسة شواهد لقبور رهبان ورجال دين خدموا فيها، إضافة إلى قبور لمسيحيين من عامة الناس.

تعرضت الكنيسة لعمليات نهب طالت أجزاؤها على يد لصوص بحثوا عن مجوهرات أو دفائن ظنوا أنها مخبأة داخلها، ما تسبب بتلف بعض معالمها رغم القيمة الأثرية الواضحة لها.

شيد مبنى الكنيسة من الطابوق المحفور، ويأخذ شكلاً مستطيلاً، ويتألف من مدخل واسع يتفرع إلى غرف تمتد على طوله وتنتهي بفسحة كان يُؤدى فيها الصلاة، وتضم المحراب الذي ما زال قائماً حتى اليوم، ما يعكس التصميم المعماري المتقن في ذلك الزمن.

كما يحيط بالمبنى مجموعة من القبور التي تبعد عنه أكثر من عشرين متراً، ويعود جزء كبير منها إلى الرهبان ورجال الدين الذين عاشوا في الكنيسة وقدموا تعاليمهم وخدماتهم الروحية.

تحفة نادرة من أقدم آثار المسيحية

أوضح محمد عامر أحد العاملين في دائرة آثار كربلاء، أن بناء الكنيسة يعود إلى القرن الخامس الميلادي، أي أنها سبقت ظهور الإسلام بمئة وعشرين عاماً، ورغم غياب النقوش التي توضح من قام ببنائها، إلا أن الصلبان المحفورة في أركانها تؤكد هويتها الدينية كمكان للعبادة المسيحية.

كما أشار عامر  إلى أن الكنيسة كانت تضم مدرسة ومقابر، وما تم اكتشافه حتى الآن لا يمثل إلا جزءاً من هيكلها الكامل، حيث توجد مبان أخرى ما زالت مدفونة تحت الرمال ولم تُجرَ عليها أعمال تنقيب حتى اليوم، رغم أن الموقع اكتشف ما بين عامي ألف وتسعمئة وستة وسبعين وألف وتسعمئة وسبعة وسبعين.

وفي هذا الصدد أوضح حسين علي الباحث الأثري  أن اسم الاقيصر أطلقه السكان المحليون على الكنيسة باعتباره تصغيراً لكلمة القصر، نظراً لصغر حجمها مقارنة بالأبنية التاريخية المجاورة مثل قصر شمعون وحصن الأخيضر.

وأشار إلى أن تصميم الكنيسة يستند إلى طراز البازيليكا، وهو نمط شائع في بناء الكنائس القديمة، ويتكون من ممر رئيسي في الوسط يضم مقاعد المصلين، وعلى جانبيه غرف أو ممرات للمشاة، بينما يقع المحراب في نهاية الممر ويتجه نحو بيت المقدس، ما يعكس التقاليد الدينية المعمارية في تلك المرحلة.

وأوضح أن هذا النمط مستوحى من المعابد العراقية القديمة، وخاصة من حضارتي بابل وسومر، حيث كانت تُبنى المعابد وفق نظام يسمى المعبد ذو المحور المستقيم، الذي يضع الباب في مقدمة المبنى، والمحراب في نهايته، واستُخدم هذا النموذج منذ العهد السومري الحديث، مروراً بالعصر البابلي القديم وحتى العهد الآشوري الحديث.

كما كشفت ذكرى سرسم، مديرة منظمة برج بابل المهتمة بالحفاظ على التراث، عن حجم الإهمال الذي يطول معظم المواقع الأثرية في العراق، وأكدت أن عملية صيانة هذه الكنوز بحاجة إلى إرادة جادة من الجهات الحكومية، وجهود متواصلة تتجاوز الروتين والفساد الذي يعرقل خطوات الترميم والحماية.

وأشارت إلى أن منظمتها نفذت عدة حملات إعلامية وشعبية لتسليط الضوء على أهمية هذه المواقع، وراسلت الجهات المختصة للمطالبة بصيانتها وإعادة تأهيلها، لكنها واجهت صعوبات كبيرة بسبب القوانين القديمة والمركزية الشديدة في إدارة المواقع الأثرية، منوهة أن كنيسة الاقيصر ومواقع أخرى مماثلة لا تقتصر أهميتها على الجانب التاريخي فقط، بل تحمل قيمة روحية، ويمكن أن تكون مورداً اقتصادياً مهماً لسكان المناطق المحيطة في حال استغلالها بالشكل الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى