النهضة الثقافية في سلطنة عمان: كيف توائم بين الحداثة والأصالة؟
أسماء صبحي – تعد سلطنة عمان نموذجًا فريدًا في المنطقة العربية من حيث النهضة الثقافية وقدرتها على التوفيق بين الأصالة التاريخية والحداثة المعاصرة. فعبر العقود الأخيرة، وخاصةً منذ انطلاق النهضة العمانية الحديثة في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد. ثم استمرارها وتطورها في ظل السلطان هيثم بن طارق. كما استطاعت السلطنة أن تصوغ مشروعًا ثقافيًا يعكس هويتها العريقة دون أن تنغلق على الماضي أو تنفصل عن الحاضر.
النهضة الثقافية
منذ السبعينيات، أدركت السلطنة أن بناء الإنسان العماني لا يكتمل دون بناء وعيه الثقافي. ومن هنا، انطلقت مشاريع تنموية وثقافية تهدف إلى صون التراث العماني وتعزيزه. وفي الوقت نفسه الانفتاح على الثقافات العالمية.
وقد أنشأت الدولة العديد من المؤسسات مثل وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ودار الأوبرا السلطانية بمسقط، التي أصبحت منصة عالمية للفن الراقي. والهيئة العامة للصناعات الحرفية التي تعنى بحماية المهن التقليدية.
الأصالة: تراث حي لا ينسى
تمتاز عمان بتراث غني ومتنوع، من الفنون التقليدية كالرزحة والعازي، إلى العمارة العمانية الفريدة، واللباس التقليدي، والحرف اليدوية مثل صناعة الفضيات والفخار. ولم تعامل هذه العناصر كمجرد موروث ماضي بل جرى دمجها ضمن مشاريع سياحية وثقافية وتعليمية. مثل مهرجان مسقط ومهرجان صلالة السياحي اللذين يمزجان الترفيه بالتوعية بالتراث الوطني.
كما تم إدراج العديد من عناصر التراث غير المادي العماني ضمن قوائم منظمة اليونسكو. مما يعكس الجهود الرسمية لحماية هذا التراث وإبرازه عالميًا.
الحداثة: انفتاح عقلاني
في المقابل، لم تقف عمان عند حدود المحافظة على التراث بل انطلقت بثقة نحو مواكبة التحولات الثقافية العالمية. ففي مجالات الأدب والفكر والمسرح والفنون التشكيلية برزت أسماء عمانية أثرت الساحة المحلية والعربية. من أمثال الشاعرة سعيدة خاطر، والروائي زهران القاسمي، الحائز على جائزة البوكر العربية لعام 2023.
وتم إطلاق مبادرات رقمية حديثة لدعم الإبداع، مثل المنصة الثقافية الإلكترونية “نزوى الرقمية”. إضافة إلى مشاريع الترجمة والنشر والمكتبات الرقمية التي تعزز من مكانة الثقافة في العصر الرقمي.
التعليم والنهضة الثقافية
يلعب التعليم دورًا أساسيًا في النهضة الثقافية العمانية. إذ تم إدماج الثقافة الوطنية في المناهج، وتشجيع الفنون والمسرح في الجامعات والمدارس. كما شهد الإعلام العماني تطورًا في تقديم المواد الثقافية عبر برامج تلفزيونية وإذاعية ومجلات متخصصة مثل مجلة “الثقافة”.
والسر في نجاح عمان الثقافي يكمن في الاعتدال: فهي دولة تحترم خصوصيتهاوتحافظ على هويتها. لكنها لا ترفض الآخر بل تسعى إلى التفاعل معه على قاعدة الاحترام المتبادل. ولهذا تجد في عمان روحًا تقليدية في المظهر وحداثة فكرية في الجوهر.



